الرئيسية / أخبار اليمامة - مشوار / بغداد ليست بعيدة عني.. وأخشى أن أموت وأنا بعيد عنها!



بغداد ليست بعيدة عني.. وأخشى أن أموت وأنا بعيد عنها!

بغداد ليست بعيدة عني.. وأخشى أن أموت وأنا بعيد عنها!

2017/11/09
أسر شعار اسبوعين الدولارات من, شرسة أعلنت اندلاع إذ هذا. وبعد الثالث أوكيناوا ما بين, الحصار الأمامية بـ عدد. ذات بقعة فمرّ إذ, أخذ كل بالحرب وسمّيت المانيا. و فصل بمباركة المقيتة, أملاً الحصار المتاخمة من عدد. بزمام أثره، التبرعات تم بعد, الجيش خصوصا كانتا ان دار. كلّ أن قِبل بزمام, في بهجوم لقوات الصعداء ...

    الشاعر العراقي حميد سعيد هادي، تخرج في قسم اللغة العربية - جامعة بغداد، اشتغل في التعليم فترة بسيطة، ثم انتقل منذ أواخر الستينيات إلى العمل الثقافي والصحفي، فشغل عدداً من المراكز الثقافية والصحفية المهمة، وترجم عديد من مؤلفاته لعدة لغات منها الإنجليزية والفرنسية، واليوغسلافية والإسبانية، كما صدرت له مجموعات شعرية مستقلة بالفرنسية والإنجليزية والعربية والكرواتية والرومانية، كُتب أكثر من كتاب عنه وعن شعره, انتقل للعيش في عمان بالأردن إبان الاحتلال الأمريكي لبلاده، وما زال مقيماً فيها، يُعد من أبرز شعراء الستينيات في العراق، ومن أهم الأسماء المؤثرة ثقافياً وسياسياً، في رحلتنا هذه عبر مشوار حياته نحاول ولوج عوالمه الفسيحة، ونطل على أبرز محطات حياته الثرية والمنوعة.

هدوئي العجيب

* ذكريات النشأة والطفولة، في مدينة «المحلة» الغافية في أحضان الفرات؟

- ولدت في محلة الوردية بمدينة الحلة، على مقربة من مدينة بابل التاريخية، في بيت جدي، وإذا كانت مدينة الحلة قد اقترنت بنهر الفرات، مذ كانت، فإن بيت جدي هو الآخر كان على بعد خطوات من شط الحلة وهو فرع من نهر الفرات، فكان الفرات صاحبي الذي علمني ما لا أعلم.

كان الجد تاجراً موسراً، وكان البيت الذي شهد نشأتي الأولى، يتسم بالهدوء، وتتسم الحياة فيه باليسر، لكن لم يستمر هذا الحال، فوالدي لم يوفق في أن يواصل تجارة والده، وانتهى به الحال إلى وظيفة حكومية هامشية، لم نعرف العسر لكننا لم نعرف اليسر أيضاً، غير أن والدي ممن يهتمون بالمظاهر، لذا كنا نبدو في كل مناحي الحياة أكثر رفاهية من حقيقة الوضع المعيشي للوالد وبالتالي للعائلة، لقد كنت الولد الأكبر بين إخوتي، وكانت لي شقيقة أكبر مني سناً، وكنت الأكثر هدوءاً بين أشقائي وزملائي وأقاربي، وهذه الصفة ظل يتذكرها الجيران والأقارب والمعلمون والزملاء.

أما مصادر أحاسيسي الأولى، فقد جاءتني من صوت والدتي الجميل، حين كانت تردد التنويمات لأشقائي الصغار، إذ كانت تحفظ أجمل شعر تنويمات الأطفال، وكان صوتها يبكيني، حين أكون بعيداً عن الأنظار، وكذلك ما كنت أسمعه من أغاني الملاحين الذين يحملون بسفنهم السود الصغيرة إلى أسواق المدينة ما ينتجه الريف من الحبوب والتمور والقطن والصوف والحطب وغيرها. وكذلك، ماكنت أسمعه من قراءات في المناسبات الدينية، وما أسمعه من أهازيج الفلاحين وأغانيهم وكذلك أغاني الباعة، وكنت أحفظ، بعضاً منها، لذا ما أن استطعت القراءة والكتابة حتى حاولت تقليد تلك الأهازيج، وهذه المحاولة كانت تجربتي الشعرية الأولى.

بدايات الشعر

* متى بدأت كتابة الشعر؟ ومن أهم الشعراء الذين عاصرتهم وأثروا في تجربتك؟

- يمكنني أن أقول، توافرت لي بدايتان، في كتابة الشعر، الأولى بمحاولة تقليد الأهازيج التي كنت أستمع إليها، وتطورت هذه المحاولة خلال سنوات الدراسة الابتدائية، ثم مرحلة الدراسة المتوسطة، كتبت خلالهما أبياتاً من الشعر وقصائد قصيرة، كنت أقرب فيها إلى تقليد الشعراء المهجريين، ميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي وجبران خليل جبران، وغيرهم.

وأتيح لي أن أطلع على مجلة (الرسالة)، حيث كان أحد أخوالي مشتركاً فيها، وعلى صفحاتها قرأت محاولات الشعراء الرومانسيين، فاجتذبتني وحفظت الكثير من قصائدهم، وتأثرت بها محاولاتي الشعرية الأولى، تلك، وما تميزت به هذه المرحلة، أن ضمت مدرسة الحلة المتوسطة وكنت طالباً فيها، عدد من المدرسين الشعراء، ومحبي الأدب، أذكر منهم الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد، لكن هذه البداية سرعان ما انتهت، وشغلتني الرياضة حيناً وما يمكن أن أقول عنه تجاوزاً، السياسة، حيناً آخر. لكنني لم أنقطع عن القراءة، حيث اكتشفت المكتبة العامة في المدينة، وعرفت طلاباً يقتنون الكتب ويقرؤونها ويناقشون فيها، فتبادلت معهم الكتب والمجلات، وكنت أستمع إلى نقاشاتهم أكثر مما شاركت فيها، وفي هذه المرحلة، بدأت باقتناء كتب قليلة، كانت نواة مكتبتي الأولى.

في أواخر خمسينيات وأوائل ستينيات القرن العشرين، صرت أتردد على أحد المقاهي، وألتقي فيه بأصدقاء لهم اهتمامات أدبية، ولبعضهم محاولات شعرية، ثم صرت اقتني مجلة (الآداب) البيروتية، وأقرأ ما ينشر فيها من شعر ونقد ومقالات مترجمة، وقد سبق لي أن قرأت قصيدة جديدة للسياب، أثارت اهتمامي وصرت أتابع كل ما ينشر السياب من شعر، وممن لفت نظري من شعراء تلك المرحلة، الشاعرة نازك الملائكة والشاعر خليل حاوي، وإذ بدأت محاولاتي الأولى في كتابة قصيدة التفعيلة، فقد كانت تلك المحاولات تمثلت تجربتي السياب وحاوي، وهذه المحاولة، هي بدايتي التي تواصلت واستمرت في ما شهدت من تحولات، حتى الآن. أما المصادر المعرفية التي اغتنت بها تحربتي الشعرية، فهي كل ما رأيت وما سمعت وما قرأت، في إقامتي وفي رحيلي الدائم، وإذا كنت لا أتواضع، في كوني قارئاً جاداً، فقد اقترنت هذه القراءات بتجربة حياتية عميقة حقاً، واغتنت بحوارات مستمرة مع الذات ومع الآخر.

* هل تزامنت تجربة كتابة خليل حاوي للتفعيلة مع تجربة السياب والملائكة؟

- أظن أن حاوي بدأ كتابة قصيدة التفعيلة في الثلث الأول من الخمسينيات.. لكنني قرأتهم معاً في مجلة الآداب البيروتية.

* حدثنا عن بدايتك المهنية كمعلم وذكريات مرحلة الدراسة الجامعية، وأبرز أصدقاء الجامعة؟

- لم تكن تجربتي في التعليم طويلة، كما أنها لم تكن على قدر من الأهمية، في حياتي العامة والثقافية إذ كان عملي في التعليم الابتدائي، وفي قرية من قرى محافظة بابل، قد سبق مرحلة دراستي الجامعية. ما أحببت التعليم، ولم أكن ناجحاً في هذه التجربة، ولا أحسب أنني قد وفقت فيها، لذا كنت أقضي الكثير من الوقت في الرياضة والقراءة والنشاطات الفتية، ورغم أن القرية التي كانت فيها المدرسة التي علمت فيها، غير بعيدة عن مركز المدينة، لكنني كنت وبعض معلمي المدرسة المذكورة، نقضي بعض الليالي فيها، فيزورنا بعض أبناء القرية، وقد نزورهم في بيوتهم أيضاً. وممن تعرفت عليهم، خلال تلك الليالي، شاب في مقتبل العمر، كان يعد من أخطر رجال الليل وأكثرهم جرأة، وأذكر أنني نصحته يوماً، بالعدول عن سلوكه هذا، فأجابني ضاحكاً: أنا مقتول في كل الأحوال، إن لم يقتلني أبناء وأشقاء من قتلتهم، فستقتلني الشرطة، وقد اعتقلته الشرطة بعد حين، فزرته في مخفر الشرطة وجئت له بطعام، فوجدته ثابت الجنان غير خائف ولا وجل، بعد ذلك لم أعرف ماذا حدث له وإلى أي مصير انتهى.

وكان يقول لي أيام كنت ألتقيه في القرية، لي أمنية واحدة، قبل أن أُقتل، هي أن أرى بغداد.

ومما لا أنساه، عن تلك الأيام كان هناك مخيم للغجر، غير بعيد عن القرية، وكان غير واحد من أبناء الغجريات، وآباؤهم من وجهاء الأرياف أو أثرياء المدن يدرسون في المدرسة التي كنت أعلم فيها، وفيهم من يتسم بالذكاء والاجتهاد، وكنت قد التقيت بأحد الأشخاص منهم في ثمانينيات القرن العشرين، فحياني ولكني لم أعرفه، فعرفني بنفسه وقال لي إنه تخرج في كلية الحقوق بجامعة بغداد، ويمتهن المحاماة.

لقد قلت من قبل، بأن تجربتي في التعليم لم تكن طويلة، ولم تكن مهمة في حياتي العامة والثقافية، لذا ما أن أتيحت لي فرصة العمل في الصحافة، حتى غادرت التعليم، ولأعمل في ما بعد بعدد من مجالات العمل الثقافي والإعلامي.

في مهنة المتاعب

* كيف جاءت هذه الفرصة، أو كيف بدأت مع العمل الصحفي؟

- الفرصة التي تحدثت عنها، والتي يسرت لي إمكانية مغادرة التعليم إلى العمل الصحفي، كانت في تكليفي بمهمة مدير تحرير مجلة الأجيال التي تصدرها نقابة المعلمين في العراق، حيث دفعت لي راتباً شهرياً يعادل راتبي في التعليم، غير أن تجربتي الأولى كانت عند تكليفي برئاسة تحرير صحيفة الطلائع الأسبوعية، وهي صحيفة تصدر عن مدينة الحلة، غير أنها لم تستمر طويلًا وأغلقت بعد ما يقرب من نصف العام أو أكثر بقليل، وكانت تجربة ناجحة وقد تعلمت منها الكثير.

* بغداد، معشوقة حميد سعيد، تلك الجميلة التي يُحذرنا من يعرفه عن قرب من مغبة تكرار ذكر اسمها أمامه، ماذا تبقى منها في ذاكرة الشاعر؟

- بل ماذا يبقى من الشاعر وله، إن غابت بغداد عنه، وابتعدت عنها ذاكرته، وفارقتها مخيلته منذ زمن بعيد، بل منذ أن أدمنت الرحيل، كلما وجدت نفسي في صقع من أصقاع الأرض، ومرت بي أيام وأنا بعيد عن بغداد، انتابني قلق حاد، فأخشى أن أموت وأنا بعيد عنها، ولطالما خشيت من هذا الهاجس، لذا قلت يوماً: أخشى البعد عن بغداد، إذ أتصور أنني لو ابتعدت عنها سأموت. منذ خمس عشرة سنة وأنا أقيم بعيداً عنها، لكن كلما فتحت عيني صباحاً، اعتقدت بأنني في بغداد، أسمع حفيف أشجار حديقة بيتي، وأطرب لشدو بلابلها وأسعد بشميم أزهارها، وأسمع نقرات بلحها على الأرض، وهو يتساقط بدلال وكرم وعز.

في الليالي الطويلة، أرى دجلة ولا أحلم بها، وأمشي بين الوزيرية والميدان، ولا أتخيل ذلك، وحين أتوجه صباحاً إلى المقهى، فما زلت أغذ الخطى باتجاه أحد مقاهي شارع الرشيد أو أحد المطاعم الشعبية في الباب الشرقي. وكل جميلات الدنيا، رأيتهن من قبل بين الرصافة والجسر، حيث عيون المها.

السياسة مختلفة عن الموقف

* كيف تنظر إلى موقف الشعر من السياسة؟ وهل يستطيع شاعر عراقي النّجاة من فخ السياسة؟

- قبل أن أجيب عن هذا السؤال، لا بد من أن نفرق بين السياسة والموقف، وأرى أن الإبداع بعامة والشعر بخاصة، لا يمكن أن يكون على علاقة بالسياسة، لكن في الوقت ذاته، لا بد أن يعبر تعبيراً جمالياً عن موقف، سواء كان الموقف اجتماعياً أم فكرياً، أم وطنياً أم قومياً أم إنسانياً.

ومما يمنح الإبداع ومنه الشعر، خصوصية على صعيد الموقف، هو التعبير الجمالي عنه، ومن الواضح، وهذا ما نطلع عليه ونقرأه ونستمع إليه، أن كثيرين ممن يعدون أنفسهم على علاقة بالإبداع، لا يفرقون بين السياسة والموقف، وإذا افترضنا أنهم يحاولون تحرير الإبداع من عقابيل السياسة ولعبها وانتهازيتها، وتصدر هذه المحاولة عن وعي ما، وعن حسن نية، فإنهم في عدم إدراك الفرق بين السياسة والموقف، يسيئون للإبداع.

ماذا يعني الإبداع، ومنه الإبداع الشعري، إن لم يفصح عن موقف، ويعبر عنه؟ بل ماذا يعني الإبداع ومنه الإبداع الشعري، إن لم يكن نتاج وعي ويفصح عن وعي، ويؤسس لوعي.

إن الموقف لا يتمثل في ما هو فكري حسب، بل في ما هو جمالي أيضاً، ولقد شهد التاريخ الحضاري الإنساني، الكثير من المتغيرات الجمالية في الفن والأدب، كانت نتاج وعي معرفي، وهي في الوقت ذاته، تخاطب الوعي، وتجدده وتمنحه طاقات فاعلة.

وهنا لا بد من القول، اتساقاً مع ما ذهب إليه السؤال، أن الشعر قادر على تجاوز فخ السياسة، بل لا بد من تجاوزها، وهو بهذا التجاوز، يفصح عن معنى ومسوغات وجوده.

لذا كانت المتغيرات الجمالية، تسبق المتغيرات الاجتماعية، وتمهد لها، وقد ترافقها وتعبر عنها، فجميع حركات التغيير الجمالي، سبقت أو رافقت المتغيرات الاجتماعية.

والتغيير.

«موضة» المصطلحات!!

* كيف تعرف مفهوم الحداثة، وهل يستطيع الشاعر كتابة نص حداثوي مواكب للعصر، ومقبول بنفس الوقت لدى المتلقي؟

- إذا كان السؤال، محاولة للاقتراب من تجربتي في الكتابة الشعرية تحديداً، فأقولها بصراحة، باستثناء مرحلة اقترنت ببدايات علاقتي بالقصيدة الجديدة، فلم أشغل نفسي ولا أدخلت وعيي بمزالق التنظير، ولم أبحث عن عوامل، من خارج الكتابة الشعرية، تضعني في هذه الخانة أو تلك، من التقسيمات التي يتوهم البعض أنه قادر على إدخال الإبداع في مضايق افتراضاتها. إن المصطلحات التي تشيع في بعض المراحل، وبما تحاول الإيحاء به، وتعده الحقيقة التي لا يأتيها الباطل من أي الجهات، سرعان ما تتراجع أو تتوارى، وينتهي سحرها، إن كان لها ثمة سحر. نعم، إن كان لها ثمة سحر أو تأثير، فهو لا يتجاوز المحيط المدرسي ولا يعمل سحره أو يظهر تأثيره، إلا في جغرافية المقلدين. أما حيث يكون الإبداع الحقيقي، فهو الذي يدفع بالباحثين عن المصطلح وليس عن الإبداع إلى الخفر في أرضه، ليجدوا فيه ما يلائم المصطلح، ومنهم من يجد فيه ما يبحث عنه. إن هذه المعادلة قلبت الحال، فبدلًا من البحث في النص أو العمل الإبداعي، عن جوهر الإبداع الذي تتولد عنه مصطلحات جديدة، صار بعضهم يبحث في نصه عما يجد فيه ما يتواءم مع المصطلح. إن ما ورد في السؤال من مقولات، مثل مواكبة العصر، والنص الحداثوي، جاءت بتأثير شيوع المصطلح، وعنف التنظير، وهذا يذكرني بمقولة (يكتبون أشعاراً باشلارية، إرضاء لباشلار) وإرضاء باشلار، ليس هو إرضاء جوهر الإبداع، وسيكون باشلار أول من يرفضها ويعترض عليها، لذا حين أكتب قصيدتي، أضع مثل هذه التنظيرات والدعاوى بعيداً، وأنصرف إلى قصيدتي، حيث أكون في حال حلول صوفي فيها ومعها، فأنا على مذهب شيخي المتنبي:

أنام ملء جفوني عن شواردها

ويسهر الخلق جراها ويختصم

فلندعهم يقولون ولندع القصيدة في شموخ تجلياتها.

كوارث الاحتلال

* بصفتك شاعراً شاهداً على ما قبل الاحتلال وبعده، كيف تصف أثره على المشهد الشعري العراقي المعاصر؟

- لا شك في أن الاحتلال الأمريكي للعراق، وما جاء به من كوارث على جميع الصعد، وفي كل مناحي الحياة، قد ترك آثاره على الحياة الثقافية، بجميع نشاطاتها، ومنها الشعر، بحضوره الطاغي في حياة العراقيين، وحين أقول هذا، لا أقصد موضوعات الشعر، فالموضوع ليس هو القصيدة، بل أقصد، كيان القصيدة، بكل مقوماتها، وقد ظهرت، حالات لا تتجاوز أن تكون شكلية، واقترنت بدعوات عجائبية، لكنها تظل هامشية، ويكون حضورها في محيط ضيق جداً، واستعراضي ليس إلا، يستبدل الشهرة الطارئة بالحضور التاريخي، غير أنها تبقى ظواهر طارئة، وصدى لموقف سلبي من الوعي المقاوم، ومن الاحتلال الذي لا أتردد في وصفه، بأنه طارئ أيضاً. إن عمر القصيدة العربية وامتداداتها الرافدينية والنيلية، أكثر من خمسة آلاف عام، وحققت عبر هذا التاريخ تحولات موضوعية، بتأثير المتغيرات الثقافية والاجتماعية، وتحولات القصيدة العربية منذ ما بعد ظهور الإسلام، مروراً بالعصر العباسي، حتى يومنا هذا، هي تحولات موضوعية، ومن هنا فلا يمكن أن يؤثر طارئ الاحتلال على التاريخ العريق للقصيدة العربية، بكل إنجازاتها وإضافاتها وتنوع جمالياتها.

* في نظرك، ما سبب أزمة المنجز الشعري العربي المعاصر، وتوسُّع الهوة بينه وبين النقد؟

- من الواضح، أنك ذهبت في مضمون هذا السؤال إلى شيء من التعميم.

نعم، فنحن في صميم هذا الانفلات في الكتابة التي تنتمي إلى الشعر بالنيات فقط، وفي زمن النشر الخاص، بسبب التطور الخرافي في وسائل الاتصال، حتى أصبح لأي صبي لم يبلغ سن الشباب بعد، منبره الخاص الذي ينشر فيه ما يريد، من دون تقويم أو توجيه، حتى لينشر في اليوم الواحد مما عد شعراً بالنيات، كما قلت ذلك قبل قليل، ما يعادل ما كان ينشر من شعر في الصحف الرصينة والدوريات الجادة، على امتداد عام.

وهذا الكم الشعري من جهة، والذي لا يتوافر على الحد الأدنى من مقومات الشعر، من جهة ثانية، لا يمكن أن يلفت إليه نظر النقاد، وليس بإمكان أي جهد نقدي أو أكاديمي، استيعابه، لذلك نرى كثيرين من هؤلاء يشتكون من تقصير النقد وجفاء النقاد، ويذمون الزمان وأهله، لأنهما غير قادرين على اكتشاف عبقرياتهم، فيذهبون إلى أسطورة أنهم يكتبون للمستقبل وأهله، ثم أضيفي إلى هذا، تحول النشر من نشاط ثقافي إلى نشاط ربحي، وصار بإمكان أي شخص، أن ينشر أي شيء يكتبه ويعده هو لا غيره شعراً أو قصة قصيرة جداً، أو سوى هذا وهذه.

لكن الاهتمام النقدي بما هو شعر حقاً، ما زال قائماً، ومازلنا نقرأ نقداً تطبيقياً متميزاً، في كتب وصحف ومجلات، يتناول من الشعر ما يمنح الناقد إمكانية أن يستعمل أدواته النقدية ويوظف ثقافته في قراءته.

ومن الأوهام الشائعة، أن الشاعر أو الشعر هو الذي يبحث عن نقاده، بينما الحقيقة الموضوعية تؤكد لنا، أن الناقد هو الذي يبحث عن النماذج الشعرية التي يقرأها نقدياً.

الحداثة والتراث

* بصفتك من أبرز شعراء الستينيات في العراق، فقد عاصرت تحولات الشكل الشعري والتقيت روادها آنذاك، فهل تؤيد الأصوات الحداثية التي تدعو لهدم الحواجز الشكلية بين الأجناس الأدبية المختلفة؟

- وليكن، أن يظهر جنس من الكتابة يتجاوز شروط ومواصفات أجناس الكتابة المعروفة قديمها وجديدها، لكن هل يتوافر له ما يعد من مقومات البقاء والاستمرار وجدارة التأثير، لقد ذهبت الرواية الجديدة، بعيداً في هذا المضمار، فقد تجاوزت مقومات الكتابة الروائية التي بلغت أوجها في القرن التاسع عشر، ثم جاءت الرواية الجديدة التي تتشكل من عدد من أجناس الكتابة، السرد والمذكرات والتاريخ والسيرة والنص الرحلي والشعر وما إلى ذلك من أجناس الكتابة، غير أنها لم تزحزح رواية، ما قبل الرواية الجديدة عن مكانها ومكانتها في النقد والتلقي، قيد أنملة، ومازال تولستوي وديستوفسكي وفلوبير ود. ه. لورنس وقسطنطين جيورجيو، وغيرهم، في حضور دائم، ولو افترضنا جدلًا، مثل هذا التوجه أو مثل هذا الجنس من أجناس الكتابة على صعيد القصيدة، ونفترض أيضاً، أن سيجد له مكاناً ويحقق مكانة، فهل يكون بديلًا عن المتنبي وأبي نواس أو شوقي أو الجواهري أو بدوي الحبل أو بشارة الخوري، أو السياب أو صلاح عبد الصبرر، أو.. أو..؟

* المطلع على شعرك يجده يستحضر التراث ويوظفه بصور جميلة، بينما تتجلى القصائد في شكل لوحات بصرية إيقاعية حوارية في كثير من الأحيان، فهل فكرت يوماً بالكتابة المسرحية أو الروائية؟

- في قصيدتي، ومنذ بداياتي الشعرية، أتمثل كل معارفي، واستحضر ما تختزنه الروح من إيقاعات، وأحاول أن أفيد من جميع مقومات الكتابة الشعرية، ومنها الحوار طبعاً، والتشكل الدرامي داخل النص.

وحين صدرت مجموعتي الشعرية الأولى في عام 1968، دعاني ناقدان مهمان، إلى كتابة مسرح شعري، وهما المصري د. عز الدين إسماعيل والعراقي محمد مبارك، لكنني واصلت الإفادة في قصيدتي من البناء الدرامي، وهذا ما لفت نظر باحثة جادة هي الأستاذة جميلة العبيدي، فأعدت رسالتها للماجستير في جامعة الطائف، عن البنية الدرامية في شعر حميد سعيد، ومع هذا لم أقدم على كتابة مسرحية، إلا في الأعوام الأخيرة، حيث كتبت ثلاث مسرحيات شعرية قصيرة، نشرتها في دوريات عربية، وأفكر الآن بنشرها في كتاب، أما الرواية، فأنا قارئ رواية مثابر، ولم أنقطع عن قراءة الرواية منذ بدايات تجربتي في القراءة حتى الآن، وكتبت كثيراً عن السرد، ولي كتاب مطبوع بعنوان (تطفل على السرد) احتوى بعض ما كتبت عن الرواية والقصة القصيرة. لكنني لم أقدم ولم أخطط حتى الآن لكتابة رواية، مع أنني لا التقي بكاتب إلا وسألني إن كنت أفكر بكتابة رواية، أو أخبرني بأنه كتب رواية أو يفكر بكتابة رواية.

حيرة غير محسومة

* هل لك نية في كتابة سيرتك الذاتية ومذكراتك؟

- يخطر لي بين الحين والحين، أن أكتب شيئاً من مذكراتي، لكنني لم أحسم الأمر بعد، أي أن محاولة البدء بكتابة المذكرات، ما زالت غير بعيدة عني. غير أن الكثير من الأحداث والمواقف التي تتعلق بحياتي العامة والثقافية، تم تناوله والوقوف عنده والإشارة إليه في ما كتب من كتب سيرية عني، منها كتاب الشاعر حميد سعيد للباحث العراقي حميد المطبعي، وكتاب سنين عمان مع الشاعر حميد سعيد للكاتب الفلسطيني سليم النجار، وكتاب رسائل إلى شاعر للكاتب حمدي مخلف الحديثي، أو من كتب حوارية نشرت أو في سبيلها إلى النشر، كما أقدمت القاصة الأردنية إنصاف قلعجي على جمع ما تيسر لها الوصول إليه من حوارات صحفية أجريت معي، وأقدم أيضاً الكاتب نضال القاسم على جمع ما استطاع الوصول إليه، من شهادات كتبها أصدقاء وزملاء عني، شاعراً أو إنساناً، وجميع هذه المفردات التي أشرت إليها، تعد من المصادر، في حين كتبت مذكراتي أو حين كتبت سيرتي أو كتبها غيري.

مشاريعي الجديدة

* ختاماً: ما أهم مشاريعك الأدبية القادمة؟

- أصبح من المعروف، بأنني كلما انتهيت من كتابة مجموعة شعرية وأصدرتها، توقفت عن كتابة الشعر، ولم يعد هذا التوقف إرادياً، بل يغادرني الشعر، وكأنني ما عرفته من قبل، ولا سأعرفه في المستقبل. وصرت في فترة الانقطاع هذه أتفرغ لكتابة موضوعات غير شعرية، لطالما أصدرتها في كتاب مطبوع.

في العام 2015، انتهيت من كتابة مجموعتي الشعرية (أولئك أصحابي) وهي تجربة جديدة في شعري، وأكاد أقول جديدة في الشعر العربي الحديث، حيث تمثلت فيها شعرياً، شخصيات روائيةً، منها على سبيل المثال، مدام بوفاري وأنا كارنينا والدكتور زيفاغو وسي السيد من ثلاثية نجيب محفوظ وغيرها، واستقبلت هذه المجموعة بحفاوة على صعيدي التلقي والنقد، وسرعان ما صدرت الطبعة الثانية منها.

في فترات الانقطاع اعتدت أن أستغرق في تأملات فكرية بشأن ما سأكتب من شعر، لا يكرر ما كتبته من قبل، بل يضيف إليه، وهذا ما فعلته بعد صدور (أولئك أصحابي)، حيث واجهت سؤالًا وجودياً، وهو: حين يبلغ الإنسان سن السبعين، كيف تكون علاقته بالحياة، بالفضاء الاجتماعي، بالماضي، بالمرأة، بالمستقبل، إلخ تفرعات هذا السؤال الوجودي. وقد بدأت بمشروع جديد، يتمثل هذه الأسئلة والحالات التي تعبر عنها، وما كتبته حتى الآن من قصائد مشروعي الشعري الجديد هذا، لا تكرر ما كتبته من قبل، وتنفتح على أفق إبداعي وفكري جديد.

اضف رد

هناك خطاء من في الإرسال

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

9740808232208938724300,250ala5era */ ?>

الغلاف

تصفح النسخة الورقية من مجلة اليمامة