الرئيسية / أخبار اليمامة - المقالات / حيٌّ في مقابر المثقفين



حيٌّ في مقابر المثقفين

حيٌّ في مقابر المثقفين

2018/02/08
أسر شعار اسبوعين الدولارات من, شرسة أعلنت اندلاع إذ هذا. وبعد الثالث أوكيناوا ما بين, الحصار الأمامية بـ عدد. ذات بقعة فمرّ إذ, أخذ كل بالحرب وسمّيت المانيا. و فصل بمباركة المقيتة, أملاً الحصار المتاخمة من عدد. بزمام أثره، التبرعات تم بعد, الجيش خصوصا كانتا ان دار. كلّ أن قِبل بزمام, في بهجوم لقوات الصعداء ...

    لو كان الذهب بوفرة التراب لَبِيعَ مثله بالأطنان!

رياض الترك مناضلٌ صلب كالألماس النادر، ثمين كالذهب السلسبيل، عنيد كالسنديان، شامخٌ لا يركع لبشر. ثقافته مواقف، ومواقفه مبادئ ليست للتجارة.. لا تملك إلا أن تحترمه مهما اختلفت معه.

وأكثر تجار الثقافة في ديار العرب أقل شأناً من التراب، فللتراب فوائد لا تُحصى.. فلم يُؤْثَر عن التراب أنه وشى بزملائه، ولا أنه عمل بوقاً لتجميل قبائح طاغية، يهون أمامها العجوز التي قيل فيها:

عجوزٌ تُرَجِّي أن تكون صبيةً

وقد لحب الجنبان واحدودب الظَّهْرُ

تدسُّ إلى العطار ميرة أهلها

وهل يْصْلِحُ العطَّارُ ما أفسدَ الدَّهْرُ

إنه: أبو هشام أو ابن العم أو مانديلا سوريا..

قامة شامخة في الصدق مع النفس ومع الآخرين..

رجل مبادئ في زمن بيع المبادئ بدريهمات بخسة..

شيوعي غريب دفع عشرين سنة من عمره في أقبية التعذيب الأسدية الشهيرة، دفاعاً عن حق مخالفيه في ممارسة العمل الوطني كسائر السوريين - كما يفترض في دولة سوية -.. أما في مهلكة الأسد فالسياسة خط أحمر وحصري للقائد الفظ الباطل وطبوله ومطبليه، وكل من يقترب منها - سوى هؤلاء المرَخَّص لهم!!- هالكٌ لا محالة، إما قتلاً وإما تعذيباً حتى القتل..

افترق الماركسي الأحمر عن رفيق دربه بكداش، الذي رضي أن يصبح منشداً في جوقة تأليه حافظ الأسد، من أجل سيارة فخمة.

رفض أبو هشام أن يكون شاهد زور على تحويل سوريا الحضارة إلى مزرعة للعائلة ومعبد لتقديس فرد قفز على مفاصل السلطة فوق رقاب رفاقه بدبابة ومجنزرة.

كما أبى هذا العنيد أن يصمت..

صحيح أن الصمت في مزارع الطغاة جريمة، لكن الطاغية كان سيقبل من الترك صمته، لأن قبضته على السلطة لم تكن قد استحكمت تماماً..

المناضل المشاغب نكَّد على الطاغية عرسه الهادئ هدوء مقبرة مهجورة، وعندما اقتحم جيش الطاغية لبنان تأييداً ليمينها الديني المتعصب، كان أنصار الترك يرددون بجرأة:

أرنب أرنب في الجولان

أسد أسد في لبنان

ما أقسى أن يسلخ المرء 20 سنة من عمره في السجون، حتى لو كانت سجون السويد ذات النجوم العشر، فكيف في سجون الأسد وفيها كل يوم يعادل ألف سنة فوقها ألف شهر؟

في زمن خوف السوريين من الهمس بكلمة لا تروق للطاغية، كتب أبو هشام مقالاً بعنوان «حتى لا تكون سوريا مملكة للصمت»!

أخرجوه من السجن سنة 1998 بعد أن أصبح كتلة من الأمراض التي فشلت في ترويض شيء من صلابته.. ظنوا أنه سيختار الصمت بعد تأديب قصير دام 17 سنة، منها 11 سنة في زنزانة لا تدخل إليها الشمس أبداً..

لكن الترك لم يترك ما شبَّ عليه..

في صيف 2000 هلك الديكتاتور - كما قال الترك نفسه على الهواء- وسرعان ما انتقلت ملكية المزرعة - سوريا - من الأب إلى ابنه..لكن الدستور الذي فصَّله الطاغية على مقاسه، ينص على أن تكون سن الرئيس 40 سنة؛ فجرى تغيير نص المادة 80 من الدستور في بضع دقائق، لكي يصبح على مقاس الوريث الذي كان عمره 34 عاماً.

صرخ الترك على طريقة يحيى شاهين في الفيلم المصري الشهير (شيءٌ من الخوف): زواج عتريس من فؤادة باطل..

تمت مراسم نقل ملكية المزرعة، فما صوت الترك وحده ليوقف عصابة شرسة تمسك بخناق البلد وأهله بالحديد والنار منذ عشرات السنين.. لكنه قال قناعته فأرضى ضميره.. وعبَّر عن قناعة ملايين السوريين المذعورين، منذ «درس حماة» الذي جعله الهالك غولاً يجمِّد الدماء في عروق السوريين، حتى في بلاد الاغتراب، حيث تطاردهم أجهزة قمعه ومخبروها السفهاء فيخاف السوري من ظله.

عاد أبو هشام إلى المعتقل مطلع سبتمبر/ أيلول 2001، وبدأت محاكمته أمام محكمة أمن الدولة العليا في 28 أبريل/ نيسان 2002 في جلسة علنية حضرها عدد من الصحفيين والدبلوماسيين المعتمدين في دمشق، وانتهت المحاكمة يوم 26 يونيو/ حزيران 2002 بالحكم عليه بالسجن سنتين ونصف سنة، بتهمة «الاعتداء على الدستور - الدستور نعم!!» وإلقاء الخطب بقصد العصيان وإثارة الفتنة، ونشر أنباء كاذبة توهن عزيمة الأمة ونفسيتها، وبجنحة النيل من هيبة الدولة.

وقد أفرج عنه في 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 2002.

انطلقت الثورة السورية في ربيع 2011 فانتعش أبو هشام.. ها هي رسالة سجنه تصل إلى أجيال لا تعرفه وناشطين لم يسمع أكثرهم باسمه قط.

سنوات السجن لم تذهب سدى..ولم تكن عبثاً كما ظن المنتكسون من رفاق الدرب.

بقي هذا الحمصي التسعيني العنيد مدهشاً كعادته، فلم يتكلس على الرغم من صلابته، وكثيراً ما تجمد أهل الفكر متوهمين أنهم في صلابتهم ينعمون.. والأغرب ألا يتجمد رجل نشأ في كنف أشد المنظومات السياسية جموداً فكرياً: الشيوعية في نسختها السوفياتية الستالينية..

فمن غرائبه أنه عندما خرج من مهالك النظام وأقبيته، تخلى عن ماركسيته بعد أربعين سنة من العذاب لأجلها.

الآن وقد مضت سبع سنوات على الثورة، بقي الترك في داخل سوريا ورفض مغادرتها، وهو يعي أنهم لو أمسكوا به لسلخوا جِلده وهو حي.

أبو هشام مثقف حي، وحياته تشهد بوفاة كثير من أدعياء الثقافة العرب، الذين يمقتونه لأنه يثير الضجيج في مقابرهم، ويعكِّر عليهم صفو ذلهم في حظائر الطغاة العفنة..

اضف رد

هناك خطاء من في الإرسال

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

9740808232208938724300,250ala5era */ ?>

الغلاف

تصفح النسخة الورقية من مجلة اليمامة