الرئيسية / أخبار اليمامة - الثقافة / «موت صغير».. والهروب إلى الأمام!



«موت صغير».. والهروب إلى الأمام!

«موت صغير».. والهروب إلى الأمام!

2018/03/08
أسر شعار اسبوعين الدولارات من, شرسة أعلنت اندلاع إذ هذا. وبعد الثالث أوكيناوا ما بين, الحصار الأمامية بـ عدد. ذات بقعة فمرّ إذ, أخذ كل بالحرب وسمّيت المانيا. و فصل بمباركة المقيتة, أملاً الحصار المتاخمة من عدد. بزمام أثره، التبرعات تم بعد, الجيش خصوصا كانتا ان دار. كلّ أن قِبل بزمام, في بهجوم لقوات الصعداء ...

    لا أكتمكم حديثاً إذا قلت إنني أشعر بالزهو كلما قرأت لأحد شبابنا إبداعاً فنياً أو علمياً، لأنني أراهن أنهم في كلا الحالين علماً وفناً نسيج مختلف وجمال متفرد ونزعة من الوعي الحاد حتى في أدق المسائل والتفصيلات..

أقول هذا وأنا في مستهل الكتابة «غير الناقدة» لرواية المبدع الجميل محمد حسن علوان موت صغير.. ورغم أنني لم يسبق لي اللقاء بهذا القلم العذب والعقل المستنير إلا أنني شعرت وأنا أقرأ عمله الأخير الحائز على جائزة البوكر بأنني أمام قلم يقف على أرض صلبة ومتينة وفي قمة شامخة لا تملك إلا أن تلوح له بالاحترام والتقدير ليس لأنه استحق جائزة البوكر، بل لأن البوكر استحقته!

أعظم ما تبحث عنه في الروايات الجديدة مع كثرتها هو القلم الجاد الذي يعرف نفسه جيداً، ونوع الحبر الذي يكتب به والفن الذي يغمس يراعه فيه وذلك ما تجده دون تردد في «موت صغير» لقلم كبير!

لا يهمني هنا أن أكتب عن الرواية من وجهة نظر نقدية أكاديمية، بل ما يدفعني هو شعور داخلي بالرغبة في الكتابة.. الرواية التي شدتني كثيراً واتفقت مع تقنياتها كثيراً واختلفت مع بعضها كثيراً، إلا أنني في نهاية المشوار القرائي خرجت وأنا مقتنع بهذا السعودي الجميل الذي سلك هذا المسلك الوعْر دون أن يعثر أو يتلعثم، ودون أن تدرك أن خلف النص كاتب مرتبك أو متردد أو متوجس، بل على العكس تماماً.

ولعل أول ما يشد القارئ هو أن علوان تقمص لسان العصر الذي كتبت عنه الرواية وسافرت لغته المعاصرة وامتزج لسانه بأزقة بغداد ودمشق والقاهرة ومن قبل في الأندلس والمغرب وتحول لسانه من لسان القرن الواحد والعشرين إلى لسان آخر تجده في تراث تلك الحقبة من الزمن.

وهذه مفارقة عجيبة لا يفطن لها من يكتب السير التاريخية خاصة إذا كان البطل هو راوي القصة ومصرّف أحداث السرد كما في موت صغير، ولا يظن أحد أن هذا الأمر لا أهمية له في البناء السردي.

وأهميته ليست من أجل سلامة اللغة وقوتها ودقتها فحسب، بل في جانب آخر لا يقل أهمية عن هذا كله، وهو أننا من خلال هذه اللغة الكلاسيكية في أنفاسها وجريان تراكيبها ومصطلحاتها العتيقة وطريقة أدائها وبناء حواراتها ندخل في أجواء السرد الزمانية والمكانية، بل وأجواء الروح والفكر الذي عاشت فيه، وتنتزعك هذه اللغة من محيطك المعاصر المحاط بضجيج الآلة إلى أجواء تشعر بها في داخلك فتكاد تستنشق غبار الممرات والأزقة وتبصر الحوانيت في هيئتها القديمة وتلمس بقدميك ويديك مفارش الصوف والحصير لتعيش في قلب الحدث ليس من خلال الوصف والصور فحسب لا.. بل من خلال اللغة أيضاً.

ويدرك هذا تمام الإدراك المتمرسون على قراءة كتب التراث خصوصاً الكتب الإخبارية منها كالبيان والتبيين والكامل والأغاني وغيرها!

هذا المنحى الخطير استطاع علوان أن يحقق فيه نجاحاً باهراً، ويبرهن أنه وإن كان ابن المدنية المعاصرة إلا أنه أيضاً ابن التراث الذي انغمس فيه وصار يقطر لغة وأداء. وذلك لا يعني أن الرواية لم تقع في الفخ أحياناً باستخدام مفردات لم تلد إلا مؤخراً أو لم يكن لها ذاك الشيوع في الاستخدام، فتصيبك حين تصطدم بها ما يشبه قطرات الماء التي توقظك من سباتك الجميل وهو أمر طبيعي جداً في عمل بحجم «موت صغير».

كما يمكنني أن أشير إلى مفارقة أخرى وقعت فيها لغة السرد وهي أن الرواية التي تتحدث عن الإمام الأكبر ابن عربي شيخ مشائخ التصوف وإمام اللغة الصوفية الإشارية، والتي تعيش في جو صوفي مفعم بالأولياء والأوتاد والزوايا والخانقات لم تتقمص هذه اللغة - أعني لغة التصوف - وتكتب على منوالها الرمزي والسوريالي، فالصوفي في لغته يعيش ضمن دائرة من التحدي التي تحاول عبر اللغة العبور من المحسوس إلى عالم لا تدركه اللغة ولكنها تحايثه، وتحاول الاقتراب والملامسة، فكلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة، كما يقول النّفري، فهو يحمّل لغته ما لم تعتد على حمله ويحاول أن يبث فيها طاقة جديدة غير معهودة!

لم يقتحم علوان هذه اللغة رغم أنه يمتلك قلماً شعرياً رائعاً، وفي تقديري أن ذلك لم يكن صعباً عليه ولكنه نوع من الهروب للأمام فهذه اللغة ستدخله في إشكالات تمس العمل الروائي من حيث إنها قد لا تنجح في مسايرة السرد والحوار والأحداث وتحتاج مغامرة جريئة، إضافة إلى ما قد تُوقِعه فيه من إشكالات عقدية مع الجمهور القارئ فآثر السلامة من الجهتين!

ومع ذلك فإن الشاعرية كذلك تتلاشى من الرواية بشكل لافت للنظر، رغم أن أحداثها وكاتبها كان يمكن أن يزاوَج بينهما بنجاح كبير خصوصاً في مشاهد العشق والحب والرحلة والارتحال، والإلماحات الشاعرية القليلة في الرواية في بعض مشاهدها تشهد بقدرة علوان على البراعة في ذلك لولا أنه تجنبه عمداً أو سهواً.

وإذا ما أردنا أن نقتنص جانباً آخر من جوانب الهروب للأمام سنجده ماثلاً في اعتماد الرواية على التسلسل التاريخي وفكرة الرحلة للبحث عن الأوتاد التي يتلهف لها قلب الصوفي العارف دون الخوض في المفاهيم الصوفية وأفكارها ورؤيتها المعمقة للوجود، وجدلها مع الأفكار الأخرى، وإن وردت فهي إشارات سريعة لا تلبث أن تختفي في خضم الحوار والأحداث الأخرى، وأعتقد أن الكاتب وفق هنا ولم يوفق..!

وفق لأنه لم يغرق الرواية في هذا الجانب المعرفي والجدلي فتفقد حركتها وتصاعد أحداثها وتتحول إلى رواية علمية بحتة تحسب على العلم وليس الفن، وتصيب القارئ بالملل والفتور.

ولم يوفق لأنها تكاد تخلو من هذا الجانب رغم أنها تعيش في أجوائه ولا يمكنها الإفلات منه، فبدى وكأن الوضع هو هروب حقيقي، إما خوفاً من التصادم الفكري وما قد يحدثه من جدل ربما ينال الكاتب من جرائه ما يناله، أو أن الكاتب لم تكن له المقدرة الكافية معرفياً على اقتحام هذا الحقل المليء بالألغام والرموز.

وقد بدى ذلك واضحاً -مثلًا- في الحوار الذي دار بين ابن عربي ومن ثاروا عليه في حلقته بمسجد القاهرة وجدالهم له واحتجاجهم عليه، حيث بدت ردود ابن عربي وحجاجه ضعيفاً لا يتسق مع نسق ابن عربي المعرفي ولا مع النسق الصوفي العرفاني.

ورغم أن الروائي المبدع محمد علوان اتكأ على تسلسل الأحداث تاريخياً وفكرة ملاحقة الأوتاد من بلد إلى بلد، حيث كانت حياة ابن عربي هي رحلة من أجل الوصول إلى مرتبة القطب وهذا الوصول يتنامى تاريخياً من بداية مولده في الأندلس حتى نهاية حياته، ومع ذلك فإن علوان لم يكن مؤرخاً بما تعنيه الكلمة، بل كان مبدعاً فجر نصوص التاريخ وملأ فراغاته وابتكر أحداثاً جديدة تسد هذه الفراغات، وبعض هذه الأحداث إما متسقة ومتناسقة مع تاريخ ابن عربي أو متصادمة معه ومخالفة لما هو معروف، ولذلك فإن الرواية تجعلنا نقف أمام السؤال النقدي القديم وهو ما موقف الروائي من التاريخ؟ وكيف يتعامل معه؟

وسينسحب السؤال في حالة ابن عربي ليكون سؤالًا شبه أخلاقي يطرحه ابن عربي أو أتباعه - خصوصاً أمام بعض المشاهد الغريبة كمشهد ابن عربي مع نظام بنت شيخه زاهر الأصفهاني- إذْ قد يوحي ذلك بزعزعة لمكانة الشيخ الذي يعرفه أتباعه بالزهد والورع والبعد عن مواضع الريب!

ومهما يكن فإن «علوان» قرر في هذا أن يضحي بالجانب التاريخي الدقيق من أجل أن يصنع رواية تاريخية توظف التاريخ برجماتياً ولكنها لا تعتمد عليه كلياً! خاصة أن حياة ابن عربي فيها فراغات كبيرة لم يستطع التاريخ أن ينقلها كما هي، ولكن الرواية الإبداعية من علوان ابتكرت طريقتها وخرجت من أسر التاريخ إلى فضاءات الإبداع.

اضف رد

هناك خطاء من في الإرسال

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

9740808232208938724300,250ala5era */ ?>

الغلاف

تصفح النسخة الورقية من مجلة اليمامة