الرئيسية / أخبار اليمامة - المقالات / أفاوِيقُ الأفاوِيْقِ



أفاوِيقُ الأفاوِيْقِ

أفاوِيقُ الأفاوِيْقِ

2018/08/09
أسر شعار اسبوعين الدولارات من, شرسة أعلنت اندلاع إذ هذا. وبعد الثالث أوكيناوا ما بين, الحصار الأمامية بـ عدد. ذات بقعة فمرّ إذ, أخذ كل بالحرب وسمّيت المانيا. و فصل بمباركة المقيتة, أملاً الحصار المتاخمة من عدد. بزمام أثره، التبرعات تم بعد, الجيش خصوصا كانتا ان دار. كلّ أن قِبل بزمام, في بهجوم لقوات الصعداء ...

    * بُكائِيَّتي إلى أمِّ الملايين:

قال أبو عبدالرحمن: لو لخَّصتُ لحظات السرور في حياتي: (؛ قلتُ ذلك وقد طعنتُ في الثامنة والستين مِن عُمْري): لكانتْ ذِكْرَى وقْعِ أقدامٍ تتناغم من تَموِّج النيل الخالد، وَكُوْرِنيشه الماجد.. حبيبتي يا أم الملايين حيَّيْتُ فيك كل أمجاد قلمي الذي كتب بريش الأهداب ومدادِه نقيعَ الرياحين.. حَيَّيْتُ فيكِ كل إحساسي الجماليِّ المتجدِّدِ المتألِّق، فهل تُحَيّْيِيْنِيْ؟.. أو لعلَّكِ تذكريني فينسابَ النبعُ الذي جفَّ فلم يعد يُسْقِيْنِيْ؟ ما عدا مما بدا يا أم الملايين، ويا دوحة المساكين؟.. تهاوت نجومك واحداً تِلْوَ الآخر، ولم تكن مَثْلَ كواكب النابغة في بائيته الاعتذارية؛ فكانت ليلتي نابغية يُقَرِّحها السهاد وإنْ كان أقلَّ مفقودٍ هو ما يُبكيني ويشجيني.. كنتِ لنا النبعَ والكنانة وفَغْوَ البساتين.. كانت لغتنا شجاعة، ولساننا ذَلْقاً، ومخارجُ حروفنا كما يرتِّل (عبدالباسط)، أو يُدَنْدِن (عبدالوهاب).. وكان منطقنا دوماً: سيروا ونحن من ورائِكم؛ لأنَّ الحماسَ كان عندنا دفيناً؛ فتأجَّج منذ أخرجنا عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمهم الله تعالى من القوقع إلى ذَوِيْ رَعَويَّةٍ تُعرف، ولم تكن لنا قبلها رُعَوِيَّة تُعرف إلا بشذرات تاريخية مُجزَّأة مثل (حجازي)، و(نجدي)، و(عُقَيلي) بِضَمِّ العين من (عُقَيل)؛ ففي عام 1924ميلادياً كان أمير الشعراء (أحمد شوقي) يُلَحِّنُ ل (السِّتِّ)، ويُلِحُّ على الوحدة المصرية السودانية مخاطباً (سعد زغلول) بهذه النبرة :

ولن ترتضي أْن تُقَدَّ القناةُ

ويُبْتَرَ من مصر سودانُها

بالتاء الْمُثناة الفوقية في (ترتضي)؛ لأنَّ الخطاب لِ (زغلول).. وكان عبدالعزيز يومها يَلِفُّ أنحاأَ الجزيرة في بساط الوحدة؛ فلما شَدَتِ (السِّتُ) بها في أُفْعُوان القوميةِ كانت (نرتضي) بنون المتكلمين:

ولن نرتضي أنْ تُقَدَّ القناةُ

ويُبْتَرَ من مصر سودانها

ولكنه قد بُتِرَ من مصرَ سودانُها، وكان عبدالعزيز منذ سنين قد أعلن (المملكة العربية السعودية) أَكْبَرَ وحدةٍ لم يُحَقِّقْها أيُّ زعيم عربي في العصر الحديث؛ لأنه لم يتركْ شبراً واحداً من وحدة تاريخه، وأضاف إليها أميالاً وأقطاراً؛ بل لم يَتَحَقَّق لأيِّ زعيم أَيُّ وحدة؛ بل كانت القُوَى الخارجية تدفع سَعَوَاتِها إلى التجزئة، وتُراهن على ذلك، ولم يَتَخَلَّفْ عبدالعزيز عن التفاعل مع كنانتِنا إلا مَرَّةً عاتَبَهُ فيها (شوقي)؛ إذْ لمْ يَحْضُرْ حَفْلَ تكريمِه؛ فقال:

افتقدنا الحجازَ فيه فلم نعثرْ

على قَسَّهِ ولا سَحْبَانِه

وما كان تَخَلُّفُهُ عن ضَعْفٍ؛ ولكنَّ وِحْدَتُنا لم تَكْتَمِلْ بَعْدُ.. ومرة زجر العميدُ (طه حسين) مَن ظنَّه من سفهائِنا؛ فقال ما قاله (جرير):

أَبِنْي حنيفةَ أحكموا سفهاءكم

إني أخاف عليكمُ أنْ أغْضبا

وكان عتابُه كالبلسمِ على الجُرْحِ؛ لأن قومنا استقبلوه في الحجاز، وجاؤوا إليه بخضوعِ وإجلالِ التلاميذ الصغارِ لأكبر أستاذٍ؛ وهو الذي حبَّب إلينا شِعْرَ التراثِ وفَهْمه في كتابه (حديثُ الأَرْبعاإِ)، وكتابِه عن المتنبي، وكتابه عن (أبي العلاء)؛ فكم فتح لنا من مستغْلِقٍ؟!.. ولمَّا أصيبَ زمانُنا بإمساكٍ مُزْمِنٍ كما سَأَحْكِي قصةَ ذلك: قلنا من أَعماقِ قلوبِنا: عفا الله عن العميد مهما شَطَحَ؛ فلَيسَتْ شطحاتُه إلا (عَضَّ رِيام)؛ ولعل الله ختم له بخير؛ لأنه من حفظةِ كتابِ الله في صغره.. لماذا؟؛ لأنَّ زماننا بعد إمساكِه المزمِن عطَّرنا بسلح الحبارى من أمثال (الصادق النيهوم)، و(محمد أركون)، و(إبراهيم محمود)..إلخ..إلخ.. إِيْ والله: نجومٌ تتهاوَى، وحُواةٌ تظهر.. غادرنا (العميد)، و(الزيات)، و(السِّتُّ)، و(عبدالوهاب) الذي يتحدث فتبهرك بلاغتُه، وحلاوةُ نطقه، ودلالةُ نبرتِه كأنَّه من عربِ الجاهلة!!.. و(أحمد رامي) إلى (محمود شاكر) إلى جميع أعضاء مجمع اللغةِ العربية بلا استثناإٍ عفا الله عن جميعهم ورحمهم.. وكنا نكِعُّ أحياناً من الشاشة السوداإِ تديُّناً مع تلذُّذٍ غيرِ مسؤول إنْ وجدنا شَمَّةً أو ضَمَّةً؛ فلمَّا شُفِي زمانُنا من إسهالِه المزمن قلنا بملءِ قلوبنا: عفا الله عنكم لأنتم أهلُ الورع والحياإِ!، ولأنتم الْمُؤَصِّلون حقيقةَ الإحساسِ الجماليِّ كلمةً ولحناً وأداأً.. حتى مشايخُنا من الأزهريّْيِيْنَ كانوا يتدفَقون عِلْماً وفكراً من صدورهم، لا من طروسهم، ويكونُ الخلافُ فكراً محتدمِاً ضِدَّ خِلافٍ لأهلِ القبلة؛ وتلك الضِّدِّيةُ لا تستبيحُ مالاً ولا دماً؛ فما بالنا اليوم لا نسمع إلا تفجيراً وتكفيراً، ولا نرى من العلماإِ إلا ذوي أساليبَ إنشائيةٍ في التِّلفاز؛ ثمَّ في الفضائِيَّاتِ؟؟!!.

* * أَفَاوِيْقُ (كفْرُ أبو صير):

قال أبو عبدالرحمن: في العقد الثاني من هذا القرن أمَضَّني الحنينُ إلى مَخْدَعِي في (كفر أبوصير)؛ فشددتُ الرحْلَ سريعاً، ولكنني أحسستُ بالوحشةِ والغُرْبة!!.. كان من معاهِدِي ساحةٌ بها دَكَّة يُطِلُّ عليها أكثرُ من بيت طين، وكأنَّ الساحةَ جزأٌ من كلِّ بيت.. يتحلَّقون بها حول (الْوِلْعِةَ)؛ وهي جميراتٍ من قِنْوِ الذُّرة ؛ فإن كانت مناسبةُ عرسٍ أو غيرِه: امتلأتْ الساحةُ رجالاً قعوداً، و(الْجُوْقَةُ) تحلِّق بك مع التَّخْت الشرقي القديم على مثل أنغام (درويش)، و(حجازي)، و(منيرة المهدية)، و(الحامولي)؛ وما هي إلا كغفوةِ النائم؛ فإذا بك مع مثل (لِسَّهْ فَاكِرْ)، ومثلِها؛ ثم إذا بك مع الأغاني الشعبية لقبائل الكفْر، وامرأةٌ أو ثنتان متحجِّبتان على رأسِ كلِّ واحدةٍ جَرَّةٌ تخطُو خطواتٍ حُلْوة على الإيقاع، ولولا فارقُ اللهجةِ والعادَةِ لظننتُ أنني في مدينتي (شقراء).. لا تسمع إلا (يا مَرْحَبْ).. ضحكهم إلى آذانِهم.. لا تُنْحِلُهم همومُ الدنيا؛ فإن كان عند أربعةٍ منهم أربعُ جواميسٍ، وعند آخرُ أربعةُ بساتين، وعند ثالثٌ ماشيةُ يُعَلِّفُها في (الْغَيْط)، أو يرعاها بالجبل (؛ وما الجبل إلا مرتفعاً تُحيط به الرمال)؛ فكل ذلك النَّتاجُ لأهل القرية لا للجارِ وحسْبُ؛ وهو زبدةٌ وجبنةٌ وقِشْدةٌ ولبن وعسل وفواكهُ وتَمْرٌ وكراعٌ وذراعٌ.. ولا يمرُّ كبير مدة حتى يقوم محسن موسر بذبح جملين أو عجلين أو أغنامٍ وطيورٍ، ثم يتوافد أصحابُ الساحةِ من حلولِ المغربِ؛ فمن كان غيرَ معتادٍ على السهَر تناول وجبتَه من الشاي الداكن، والقهوة الفاحمة، وصفحةً من الخشب عليها ما تيسرَّ من اللحم والمرق والأَرْزِ المصريِّ المتقنِ صُنْعُه.. ومن أراد المواصلة إلى الفجر أخذ فاصلاً بعد (الْجُوْقَةِ) الفنيَّة يَأْكُلُ نَهِماً من شُوَالِ تَمْرٍ محمَّصٍ، وشفطاتٍ من (مُعَسَّلٍ).. ولا يتناولون وجباتهم إلا عند الصبح؛ ثم يختمون بعد صلاةِ الفجر بِجَرْشِ فصوصٍ من الثوم والبصل؛ فلم أجدْ هذه المغاني طيَّب الله ذكراها عند مصاحبتي صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز رحمه الله تعالى في آخر رحلةٍ له إلى مِصْرَ؛ وإنما رأيتُ عمائرَ وإسْمَنْتاً وتِرَعاً مدفونةً، وبساتينَ أعِدَّتْ قِطَعَ أراضٍ للبيع، ولم أسمع ثاغيةً ولا راغيةً، وكلُّ جارٍ لا يعرف جارَه، وبقيتْ الساحةُ مجرَّد رمزٍ.. ورأيت لباساً أفرنجيَّاً، وكنت قبل ذلك لا أرى الفتاةَ الجميلةَ المحجَّبة سوى الوجه؛ فإذا رَكِبَتْ (الأتوبيس): وَجَدَتْ رجالاً بشنباتِهم وجَلَّابياتهم (؛ أيْ قلَّابيتهم) تتلذَّع أَعْينُهم لحمايتها لا لافتراسِها؛ فالويلُ لمن يتطفَّل ولو بعبارةٍ فضولية ؛ لأنَّ كلَّ واحد يشعر أنَّ كلَّ فتاةٍ في الكفْرِ في مقام أخته أو ابنته أو أمه.. حبيبتي أمَّ الملايين عُوْدي إلينا، ولُفِّينا كما تَلفُّ الطيورُ أجنحتَها لتحضن بيْضَها.. حبيبتي أم الملايين إنك لم تُخِلَقي إلا للأستاذية والريادة وتوحيد الأمة.. حبيبتي أم الملايين أينُ دار المعارف، والهيئةُ العامة للكتاب، والألفُ كتاب بالتحقيق الدقيق والإخراج الأنيق؟؟؟.. أين خليفةُ (محمد عبدة)، و(رشيد رضا)، و(حامد الفقي)، و(آل شاكر)، و(محمود شلتوت)، و(محمد أبو زهرة)، و(عبدالرزاق عفيفي)، و(صادق صِدِّيق) أستاذي بمعهدِ (شقْراأ) العلميِّ؟؟.. أين خليفة (أحمد شوقي)، و(حافظ)، و(المهندس)، و(ناجي)، و(عبدالوهاب)، و(السنباطي)، و(السِّت)؛ فما عُدْنا نتذوق جمالَ لغةِ العرب، وأسْرِ القاف المهموزة، أو المُبْدَلةِ جيماً إلا بكلماتهم العذبة، وألحانِهم العبقرية، وأدائهم الْمُنَقِّيْ الرِّأَةَ؟!.. أين خلفاء (طه حسين)، و(أحمد أمين)، و(زكي مبارك)، و(الزيات) ورسالتِه، و(عبدالرحمن بدوي) الذي ختمَ الله حياتَه بِارْتدادٍ شجاعٍ على (الوجودِيَّة)، وبكتابٍ حفيلٍ دِفاعاً عن عبدالله ورسولِه محمد صلى الله عليه وسلم؟!.. إنَّ شرقنا العربي والإسلامي يحبُّكِ يا أم الملايين؛ وعين الرضا عن كلِّ عيبٍ كليلة؛ فجعلوا الْعِبْأَ على غيرِك؛ فقالوا: إنَّ الزمان هرِم واعتلَّ؛ فأجْهَضَ بشنباتِ (أمل دنقل)، و(إبراهيم أصيلان)، وأمثال سحنات (أبو زيد)، ومن لفَّ لفَّهم من حُواةٍ ثرثارين يُسَطِّحون لسطحيَّتِهم تراثنا إذا تواصوا على نقده، ويُسَطِّحون لِسطْحِيَّتِهم التراثَ العالمي إذا تواصوا على أنْ يكونوا نُخَباً، وأكثرُ مَن تحسبهم علماأَ مُهَرِّجوا تِلفاز!!.. ولسانُ حال المحبيِّن: هو لسانُ (أبي الطيب) في قولِه:

أتى الزمان بنوه في شبيبتِه

فسرَّهم وأتيناه على الهرم

* * * فيلم (لحنُ الخُلود):

قال أبو عبدالرحمن: أبو عبدالرحمن ذلك الظاهري الطِّفْلُ الكبير: يُعْجَبُ بالأفلامِ إلى حدِّ التَّأَسِّي، وإلى حدِّ التَّأثُّرِ والانفعالِ ضحكاً وبكاأً.. رأى فيلم لحن الخلود ب (كفر أبو صير)، وتابَعه متابعة نعم فيها بأجلِّ ساعات التمرد والفناإِ الرُّوحي مما يسميه: (ابتهالاتُ الروح)؛ وكان يحسب ذلك من أوهامِ الصوفية، والدراويش، ومُدَّعِي الفناإِ: بَعْدَ أنْ استردَّ الجسدُ روحَه، وبعد انعتاقٍ دام ساعتين مع فيلم (لحنُ الخلود)؛ بيدَ أنَّ العين لا تزالُ نَدِيَّة، ولا تزالُ القصباتُ الهوائيةُ تَتَحَشْرَج بضحكةٍ هي الفرحة والعجب الواعي، ودمعةٌ هي الدهشة من مفارقاتٍ تجتمع؛ لتؤلف مواقفَ إنسانية، ومُثُلاً عُلْيا: كُنا نفقدها في وعينا الواقعي؛ وما بالك بضحكة ودمعة تجتمعان وهما ضِدان؛ بل متناقضان.. إنهما التحام الوعي باللاوعي (؛ أي غير الوعْي)؛ وهو العاطفة، والحسِّ الواقعي.. ضِحْكةً وبكاأٌ!!؛ إنهما يَبْضَعانِ في القلب جُرْحاً لا يزال نديباً.. يا إلهي أين أنت يا ظاهري؟.. إنه فيلم!..أتبلغُ بك ألاعيبُ الممثلين إلى هذا الحدِّ من التأسِّي والانفعالِ المتناقض؛ فقال الظاهِرِيُّ: كلَّا.. إنَّ المأسورَ بهذه الأفلام (طفلٌ كبير).. كبيرٌ؛ لأنه يعلم أنَّ الأفلام رحلةٌ في الخيال .. طفلٌ؛ لأنه رومانْتِيْكي يهرب إلى الأحلام، والأفلام؛ وهي رومانتيكيتنا نحنُ الأطفالَ الكبار.. الأطفالَ الكبار تجيش عواطفهم فتستلهم المؤثراتِ عِياناً، أو مِثالاً، أو ظِلالاً.. وليس في الظِّلال بُعْدٌ عن الحقيقة خطوتين.. أعني خلافاً لما زعمه (أرسطو).. ولعلَّ لهذا الشَّجَنِ بقية تأتي في إحدى الحلقات، وإلى لقاء في الخميس القادم إنْ شاء الله تعالى، والله المستعان.

* (محمد بن عمر بن عبدالرحمن العقيل)

عفا الله عَنِّي، و عنهم، وعن جميع إخواني المسلمين

اضف رد

هناك خطاء من في الإرسال

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

9740808232208938724300,250ala5era */ ?>

الغلاف

تصفح النسخة الورقية من مجلة اليمامة