الرئيسية / أخبار اليمامة - المقالات / استخراج أشعة الشمس من الخيار



استخراج أشعة الشمس من الخيار

استخراج أشعة الشمس من الخيار

2018/10/11
أسر شعار اسبوعين الدولارات من, شرسة أعلنت اندلاع إذ هذا. وبعد الثالث أوكيناوا ما بين, الحصار الأمامية بـ عدد. ذات بقعة فمرّ إذ, أخذ كل بالحرب وسمّيت المانيا. و فصل بمباركة المقيتة, أملاً الحصار المتاخمة من عدد. بزمام أثره، التبرعات تم بعد, الجيش خصوصا كانتا ان دار. كلّ أن قِبل بزمام, في بهجوم لقوات الصعداء ...

    بسبب ازدحام الشوارع المزعج في القاهرة ليلاً ونهاراً، ألجأ إلى المترو تاركاً سيارتي في سبات عميق. إذا أردتَ أن تقترب كثيراً من الأشقاء المصريين في بلدهم اركب المترو. أجناس وثقافات وألوان وأزياء وحقائب ورنات هواتف لا تتوقف. المقاعد محدودة والغالبية الساحقة واقفة «في انتظار غودو». و«غودو» هذا في مسرحية الكاتب الإيرلندي صمويل بيكيت الساخرة هو الوهم أو الموت أو الأمل الذي لا أمل فيه. معظم العرب في انتظار هذا الوهم، ونحن أمة تجيد صناعة الوهم كي تنتظره. تركز المسرحية الفرنسية التراجيدية الكوميدية التي يشاهدها الناس منذ عام 1953 بمختلف اللغات على استخلاص فكري لما يحدث لنا وحولنا: ليس هناك شيء يمكن عمله. أو بتعبير الأطباء في أفلام الأسود والأبيض العربية: «إحنا عملنّا اللي علينا والباقي على ربنا»! وهو توصيف مختزل لمفهوم اليأس والاتكال كما قال أحد النقاد، لإقصاء العقول عن التفكير. وليس مهماً أن تكون المشكلة مستعصية على الحل، ففي المسرحية يَعتبر الممثل نزع الحذاء الضيق من قدمه مشكلة عويصة لا يوجد أسوأ منها إلا ارتدائه.

العراقيون المحاصرون الآن أمام إشارتي عدم المرور الحمراء والصفراء فقط ينتظرون «غودو» الذي يُيسر لهم واقع الحال حين تضيء الإشارة الخضراء المعطوبة فعلاً منذ سنوات. حكومات متتالية مُرَقَعة ومُلفقة لا يفهمها إلا ميكانيكي سيارات شبه منقرضة في الشوارع المتهالكة؛ مضخة البنزين الداخلية من سيارة روسية، والمرآة الجانبية من دراجة هوائية، والكوابح من سيارة أمريكية قديمة لا تزال تجري في شوارع البصرة وهافانا، والمحرك «زات نفسو» كما يقول الأشقاء السودانيون من «تراكتور» زراعي أحالوه إلى المعاش.

منذ 2003 حتى اليوم (هناك من يقول منذ 1990 حتى اليوم) ينتظر العراقيون غودو في موقف الحافلات. لكن غودو هذا لم يأت في 1990 ولا في 2003 وقد لا يأتي أبداً. الممثلون على خشبة المسرح لا أحد منهم يشبه غودو. والمتفرجون على الكراسي لا أحد منهم يعرف ملامح غودو.

حتى أبتعد بالمشكلة عن الحذاء الضيق، أقترب من أحد كبار شعراء الطلاسم الأجانب، واسمه تشارلز سيميك وهو صربي أمريكي، وله أربعة دواوين شعرية مترجمة إلى اللغة العربية منها «أرق الفندق» و«العالم الذي لا ينتهي». يَعتبر الشاعر أن نظرية النسبية لألبرت آينشتاين أيسر في الفهم من قصائده. ومع ذلك يقول في مقابلة صحفية إن طموحه ينحصر في نظم قصيدة «يفهمها كلب»! وللعلم هذا الشاعر نال في عام 1990 جائزة بوليتزر عن ديوان «العالم الذي لا ينتهي».

وكان هذا الشاعر فخوراً بلقب السريالي الجديد الذي يكتب قصائد لذائذية عديمة المعنى مثل «استخراج أشعة الشمس من الخيار»! وكان مغرماً بالخيالات اللغوية العبثية ويلتقطها أينما وجدها ويجمعها في دفتر صغير ليحشو بها قصائده. ولحسن حظ القراء فإن هذا الدفتر الصغير ضاع منه في المترو، وعلى من يعثر عليه أن يرميه على سكة المترو. وهو الأمر الذي دفعني لأن أبدأ هذا المقال بالإشارة إلى استخدامي المترو في تنقلاتي وسط القاهرة.

ومع ذلك فالرجل متواضع ويعترف أنه لا يملك دروساً يُعلمها لأحد. ويخلط الجد بالهزل: «نحن في أمريكا بلد ملايين الحمقى المؤمنين بأحمق الأشياء عن أنفسنا وعن العالم». وهو يسخر من أي شاعر يظن أن الإلهام لا يأتيه إلا على قمة جبل توشك الشمس أن تغرب عنها!

هو شاعر عظيم بلا شك، وإلا فكيف فاز بتلك الجوائز؟

ذات يوم شاهدت كلباً في أحد شوارع بغداد الفرعية في بدايات الحصار الجائر الذي كان مفروضاً على العراق يأكل من الجوع الشديد جريدة يومية! ودفعني الفضول إلى الاقتراب منه لأعرف ماذا يقتات منها، فاكتشفت أنه يأكل الافتتاحية! ويبدو أن تلك الافتتاحية كانت دسمة بالصيرورة والكينونة والسوسيولوجيا والشعب العظيم ومن هنا فإن وإن دَلّ ذلك على شيء! ولولا الملامة، كما غنت وردة رحمها الله، لجلستُ القرفصاء أمام الكلب لأتناول معه تلك الافتتاحية عسى أن يأتي غودو ليشاركنا الوليمة. وفي الستينيات من القرن الماضي قدم أحد زملائنا في قسم الصحافة في كلية الآداب جامعة بغداد مقالاً سيكولوجياً للنشر في صحيفة القسم الأسبوعية «صوت الجامعة» عنوانه «بين المخ والمخيخ» فرفضت نشره لسطحيته وغموضه، ولو كان قصيدة كان يمكن أن نتساهل على أساس أنه أحد «المجددين» في القصيدة المعاصرة. وبمجرد أن تخرجنا قدم الزميل طلباً إلى وزارة الثقافة والإعلام للحصول على امتياز إصدار صحيفة أسبوعية يتولى رئاسة تحريرها. ولما كان الزميل من الإخوة الأكراد فقد وافقت الوزارة على الأمتياز حرصاً على الأخوة العربية الكردية، وصدرت الجريدة فعلاً تحمل في صدر صفحتها الأولى افتتاحية نارية عنوانها «بين المخ والمخيخ»! ثم أغلق صاحب القلب الطيب صحيفته بعد أن حقق حلمه التاريخي.

اضف رد

هناك خطاء من في الإرسال

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

9740808232208938724300,250ala5era */ ?>

الغلاف

تصفح النسخة الورقية من مجلة اليمامة