أي منتج؟ أي جمهور؟

أي منتج؟ أي جمهور؟

2019/02/14
أسر شعار اسبوعين الدولارات من, شرسة أعلنت اندلاع إذ هذا. وبعد الثالث أوكيناوا ما بين, الحصار الأمامية بـ عدد. ذات بقعة فمرّ إذ, أخذ كل بالحرب وسمّيت المانيا. و فصل بمباركة المقيتة, أملاً الحصار المتاخمة من عدد. بزمام أثره، التبرعات تم بعد, الجيش خصوصا كانتا ان دار. كلّ أن قِبل بزمام, في بهجوم لقوات الصعداء ...

    المشاركون في القضية:

- محمد علي قدس:

قاص وكاتب إعلامي.

- د. هيفاء فدا:

الأستاذ المشارك بقسم البلاغة والنّقد بجامعة أم القرى.

- جمال السعدي:

رئيسة رواق أديبات ومثقفات المدينة المنورة.

- غادة طنطاوي:

رئيس تحرير مجلة جولدن بريس.

- د. عفت جميل خوقير:

أستاذة الأدب الإنجليزي

بجامعة أم القرى.

- عواطف بنت مرزوق الحازمي:

مسؤولة العلاقات العامة في معهد الثقافة والفنون ثقف.

- ليلى الأحمدي:

قاصة وأديبة.

- أمل الشمري:

قاصة

- فيصل معمري:

روائي وقاص.

- حضية عبده خافي:

قاصة

-رباب النمر:

كاتبة أدب أطفال.

- حمد حميد الرشيدي:

شاعر وكاتب وناقد.

--------

تطور وسائط الإعلام الحديثة وهيمنة المواقع الأسفيرية على الشبكة العنكبوتية تركت آثاراً كبيرة على كل جوانب الحياة بما في ذلك التربية والتعليم والإعلام والثقافة والفن.. تأثير هذه الوسائط على الثقافة على وجه خاص يطرح تساؤلات عديدة:

- هل كان تأثير هذا المد الأسفيري على الثقافة إيجابياً أم سلبياً؟

- هل أثر على نوعية المنتج الثقافي والمثقف نفسه بغياب المثقف الموسوعي إلى ما يمكن أن نسميه بالثقافة الخبرية أو ثقافة السندوتشات السريعة؟

- كيف ترون مستقبل الثقافة في ظل الاعتماد المتزايد على مواقع التواصل الاجتماعي؟

عدد من المثقفين والأكاديميين والكتاب تحدثوا ل «اليمامة» عن تاثيرات وسائط ومنصات الإعلام الإلكتروني الجديدة على الثقافة وعلى المنتج الثقافي ولنبدأ بمداخلة محمد علي قدس الذي تطرق لتطور وسائط الإعلام الحديثة وهيمنة المواقع الأسفيرية على الشبكة العنكبوتية، وتركها آثاراً كبيرة على كل جوانب الحياة بما في ذلك التربية والتعليم والإعلام والثقافة والفن، قائلاً: بالفعل هذا ما نعيشه في واقع أيامنا، بعد أن عولنا كثيراً على عولمة الثقافة، عبر ما اتسعت عليه نوافذ الحوار، وتعددت قنوات التواصل والنقاش بين مختلف الثقافات، وتبين لنا أن الذين يدعون للطائفية وفِرَق الرأي المتشعب، هم دعاة القضاء على وحدة الرأي والكلمة، والدخول في غوغائية فكرية، تزيد الأمور.. وقد قال السلف قديماً: «ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس تَعظْمِ»، كما أننا لا يمكننا أن نبقى خارج منظومة الثقافة العالمية، بعيداً عن معطيات العالم الجديد وتقنياته، وقد تأقلمنا وتأثرنا بالعولمة الثقافية.

نحن اليوم نختلف حتى في الأمور التي لا مجال للخلاف فيها، ولكن منصات التواصل والإعلام الجديد، غيرت الكثير من المفاهيم، وأتاحت مجالاً واسعاً للخلاف والغوغائية حول مفاهيم لم نتعودها، كما أن المجتمع لم يتعود طرحها، لكننا جميعاً بما فينا الذين اختلفنا معهم. ولأهمية ما يطرح من أسئلة، وما يدور من حوارات يتم نقاشها تويترياً، وينعكس على حراك مشهدنا الثقافي، نجد ما يطرح من أسئلة حول التيارات الفكرية والرؤى التي تصنع الجدل بين المفكرين، على المنابر الثقافية، وعبر مواقع التواصل الإنترنتية، يثير الكثير من الشكوك حول المفاهيم الخاطئة، وتكثر السفسطة التويترية، ويطغى ذلك في حوار الجدل الدائر بين المثقفين في حراكهم الثقافي، وتغريدهم في الفضاء الأزرق.

إن الإنسان كما قال ابن خلدون، هو ابن ما تأقلم ومارس وتعلم.

معادلة الكم والكيف

أما د.هيفاء فدا، فترى من وجهة نظرها، أن تأثير هذه الوسائط على الثقافة على وجه خاص، من شأنه أن يطرح تساؤلات عديدة، منها: هل كان تأثير هذا المد الأسفيري على الثقافة إيجابياً أم سلبياً؟، وهنا أقول، لا يعدو المدّ المعرفيّ كونه تشكلّات من روافد تروي عطش الباحثين المتطلّعين لما يستحدث علميًّا ومعرفيًّا وإن اختلفت مسمّيات هذه الرّوافد. ويميّز الضّارّ عن المفيد منها ما يهدف إليه المتلقّي، ومن ثمّ نحكم بالسّلب أو الإيجاب على أثر تلك الموارد الثّقافية في الثقافة إجمالًا.

وغير خافٍ ما تتيحه المواقع الأسفيرية لأي مواطن من أن يصبح منتجًا للثّقافة، بحيث تسهّل عليه أن ينوّع من مدخلاته الإبداعيّة الشّخصيّة باستعمال التّكنولوجيّات الرّقميّة الحديثة، وأن يدلي برأيه في أيّ منتوج ثقافيّ آخر، بل أن يقدّم للنّاس منتوجه الخاصّ سواء أكان فيلمًا قصيرًا من تصويره الخاصّ هو ويضعه في اليوتيوب، أم معرضًا تشكيليًّا يعرض لوحاته في وسائل التّواصل الاجتماعيّ، أم مدونة إبداعيّة يدعو النّاس إلى قراءتها إلكترونيًّا. وبهذا، بدأ الفعل الثّقافيّ يتجاوز الحدود التي كانت تحدّ من انطلاقته، وصار فعلًا عامًّا تشترك فيه أغلب الفئات الاجتماعيّة دون وصاية من هذه الجهة أو تلك، وامتلك عافيته الفكريّة بعيدًا عن كلّ الدّعوات الأصوليّة التي تحاول تدجينه، ومكّن النّاس من الإحساس بقدراتهم على أن يكونوا فاعلين ثقافيين بامتياز، أي منتجين وموزّعين ومستهلكين في الآن نفسه، وأن تكون الصّناعة الثّقافيّة لديهم صناعة حرّة لا تخضع إلّا للاتجاهات الجماليّة، ولمدى قدرتها على جلب انتباه المستهلكين في أيّ مكان من الأرض. وهنا يظهر دور المواطنة الرّقميّة في معطياتها إذا ما تمّ التّعامل معها استنادًا إلى المبادئ القانونيّة للمواطنة، دستورًا لمجتمع جديد تسوده الحرّيّة والعدالة والسّيادة والثّقافة المدنيّة.

والتساؤل الآخر، هل أثر على نوعية المنتج الثقافي والمثقف نفسه بغياب المثقف الموسوعي إلى ما يمكن أن نسميه بالثقافة الخبرية أو ثقافة السندوتشات السريعة؟، وهنا أقول: إن تعدّد المصادر الثّقافية بأنماطها المختلفة تصبّ في مصلحة الثّقافة الموسوعيّة التي تعتمد الكمّ والكيف، ولا غرو أنّ ما يطلق عليه «ثقافة السّندويتشات السّريعة» هو كمٌّ عددًا وكيفٌ مددًا؛ ولذا فلا نستطيع تهميش أي من بُعدي الكم والكيف.

وعن رؤيتها لمستقبل الثّقافة في ظل الاعتماد المتزايد على مواقع التواصل الاجتماعي، تقول فدا: إنّ الماء الذي هو سرّ الحياة قد يهلك، وذلك حين يصل إلى مرحلة «الإغراق الخلويّ»؛ حين تصبح خلايا الجسم فقيرة لا تملك من مكوّنات الحياة الخلويّة مكوّنًا عدا الماء. من هنا فالموازنة مطلبٌ مهمٌّ لاستقاء الثّقافة، الموازنة بين مواقع التّواصل الاجتماعيّ ومصادر المعرفة الأصيلة. وأؤكد على أهمّيّة مايلي:

- الممارسة الآمنة والاستخدام المسؤول والقانونيّ والأخلاقيّ للمعلومات والتّكنولوجيا.

- اكتساب السّلوك الإيجابيّ لاستخدام التّكنولوجيا، والذي يتميّز بالتّعاون والتّعلم والإنتاجيّة.

- تحمّل المسؤوليّة الشّخصيّة عن التّعلم مدى الحياة.

كثرة السرقات

أما د.عفت جميل خوقير، فتعتبر أن التواصل الاجتماعي بين البشر من سنن الحياة، وأن لهذا التواصل أساليبه العديدة، موضحة ذلك بقولها: بدأ هذا التواصل من ورق البردي إلى سعف النخيل، إلى الجلود أو القماش، وحتى الحمام الزاجل كان من سبل التواصل بين الناس، وكان لاختراع الورق أثره في هذا المجال، وزاد من أهميته اختراع الطباعة في القرن المنصرم التي أعطت للكتاب الورقي أهمية عظمى حتى فترة قريبة - أي حين اكتشاف التواصل عبر الشبكة العنكبوتية - التي طغت وظهرت على جميع وسائل الإعلام، إذ إنها تتميز بسعة المجال للمستفيدين من معلوماتها، بالإضافة إلى سهولة الحصول على هذه المعلومات الضخمة التي لا عدد لها ولا حصر، وكان من نتائجها أن أزاحت الكتاب الورقي وكادت تلقيه في زوايا النسيان.

ومن إيجابيات المواقع الإسفيرية في الشبكة العنكبوتية - أنها برزت في مجال التعليم فأمدته بالمعلومات الغزيرة صوتاً وصورة مثل (التعليم عن بعد) الذي أخذت به بعض الجامعات.

- في مجال الثقافة يكفي أن تطلب موقع جوجل ليمدك بالمعلومات الوفيرة.

- في مجال الإعلام والفنون فإنها شاهد على الأحداث الواقعية ومؤرخ لمجرياتها.

- في مختلف نواحي الحياة الصحية والاجتماعية وغيرها تشمل فوائدها مساحة كبيرة من الناس وبأسرع وقت.

- أما من سلبياتها فقد يستخدمها البعض في مجال التواصل الاجتماعي (الواتساب) إلى نقل وتسريب مواضيع غير صحيحة قد تؤدي إلى إثارة الفتن إذا لم يتم الكشف عنها وتداركها، لذا شُكلت لجنة قضائية لمحاسبة المغرضين.

- تأثرت أخلاقيات النشء سلباً نتيجة الانفتاح على سلبيات المجتمعات الغربية، وضعف تأثير الوالدين والمربين في البيت والمدرسة، وضاع كثير من قيم المجتمع ومستوى الثقافة بسبب انشغال الشباب بوسائل التواصل في العالم الافتراضي والعزوف عن القراءة.

- تأثر المنتج الثقافي حتماً عندما طفت الثقافة الخبرية السريعة وأصبح الكاتب الموسوعي مغموراً إلى حد ما.

- سهولة تداول النتاج الفكري نتج عنه كثرة السرقات الأدبية وضياع الحقوق الفكرية للمؤلف، والتهاون بتوثيق المعلومة بشكل صحيح.

- وختاماً تعتبر الشبكة العنكبوتية خير ما توصل إليه العقل البشري من سبل التواصل الاجتماعي إذا ما تعامل معها الإنسان بحكمة فيما يعود عليه وعلى مجتمعه بالنفع والفائدة، وإلا فستظل الثقافة في خطر، وعلينا أن نحسن الانتقاء للارتقاء.

ثقافة قشور

وتتطرق جمال السعدي، لمدى أثر هذا المد الأسفيري على الثقافة إيجاباً وسلباً، قائلة: حقيقة، أحدثت هيمنة المواقع الإلكترونية، ووسائل التواصل آثاراً كبيرة على المجتمع، ولكن لا نستطيع الحكم الجازم سلباً أو إيجاباً، لأننا بمتابعة بسيطة نجد أن كلا الطرفين يتجاذبا الأثر، فنلحظ أن الجيل الجديد قد تأثر بشكل واضح بالثقافات الغربية، وأن هناك فريقاً آخر ما زال متمسكاً بالعادات والتقاليد والمحافظة على قيم المجتمع والدفاع عنها، ولكن ما نخشاه أن يقودنا التدرج بالتأثير، نحو إيجاد جيل جديد لا علاقة له بجيل الآباء المحافظ، وهذا أسلوب التغيير في المجتمعات، رويداً رويداً.

وعن مدى تأثر المنتج الثقافي والمثقف نفسه، بوسائط التواصل الحديثة، ومدى مساهمتها في غياب المثقف الموسوعي، أجابت السعدي قائلة: مما لا شك فيه، أن هذه الوسائط أدت إلى انتشار السطحية وبرزت أسماء لا علاقة لها بالثقافة والأدب والعلم سوى القشور، وهذه ضريبة التقنية الحديثة، ووسائل التواصل التي تبرز الظواهر من خلالها، على حساب أهل الثقافة والأدب والفكر الذين هم ممن لا يتعاطون هذه التقنية، فملأ السطحيون الساحات والشاشات، وغابت عنها الأسماء اللامعة بجدارة واقتدار، إلا أن البعض منهم يعرف كيف يحافظ على وجوده على الساحات بتسخير التكنولوجيا لمصلحتهم، وآخرون يعرفون كيف يصلون إليهم، وبات على الجمهور المثقف، التمييز بين الورد الطبيعي والصناعي.

أداة فعالة للتلاقح الثقافي

القاصة أمل الشمري تقول: هو شيء تجاوز التقييم والتحييد ليس على الجانب الثقافي فحسب، بل صار هذا المد متحكماً بمختلف القضايا، حيث يتم استغلال هذا الفضاء الأسفيري للترويج الاجتماعي وشاهدنا كيف كان أثر استخدامها في الخصومات السياسية أيضاً وخلق خلافات بين الدول يصعب رتقها، هي قادرة على أن تحدث تعديلاً في المفاهيم وتأثيراً إيجابياً ما لم يتم أدلجتها. ففي ظل بعض الظروف الطارئة كانت أشبه بخيارات ضاغطة جعلت من الاستبدال أمراً حتمياً لا تراجع فيه تجاه المثقف الموسوعي التغيب هنا خُلق حين لمس المجتمع تلكؤاً في التعاطي من المثقف الموسوعي بعدما اصطدموا بخيبة ضعف دوره في تنوير الحكومات، هي أزمة ثقة ورغبة إيجاد بديل يحاكي الواقع انبثق من خلال هذا الصدام منتوج ثقافي مختلف عما عهدناه يستقطب أسماء باتت فاعله في وقتنا هذا وتعتمد تسمية مايتم تعاطيه وأخذه على مايقبل به المستهلك أو المتلقي، ليس كل ما يبث وينشر هلامي! توجد محتويات ناضجة بات أهلها أكثر إقناعاً وتأثيراً على الواقع بشكلِ جيد وما زلت أراها أداةً فعالة على الصعيد الثقافي لتلاقح الرؤى والمفاهيم فمواقع التواصل هنا أقرب لغرفة عمليات عصف ذهني جماعي يتم تداوله وتدويره في غرفة واحدة ينتج عن هذا التقارب تطوراً بالأفكار ويتم تلقيحها بآراء مضادة أو مشابهة حتى نخلص لفكرةٍ محورية كبيرة، بل إن هذه المواقع بدأت بجذب أهم الرؤوس الفكرية المتغيبة عن المشهد الاجتماعي وأعادت الأقلام البارزة في مصاف الشخصيات التي يتم متابعتها والتي يحصل من خلالها المثقف غالباً على عوائد مادية تكون أضعاف ما تقدمه له المؤسسات المرئية والصحفية.

خوف على الثقافة المحلية

الروائي والقاص فيصل معمري يشير إلى أنه يمكن وصف مواقع التواصل الاجتماعي بأنها مصدر سهل التناول للأفكار السطحية السريعة، فهي لا تعطي غالباً آراءً عميقة أو معلومات قيمة، إنما تعتمد بدرجة كبيرة على الإثارة الاجتماعية، ما جعل نسبة كبيرة من هذه المعلومات التي هي في الأصل خليط بين الشائعات والكلام المرسل بمثابة الوجبة الثقافية المحببة للقارئ، وبالتالي ينشدّ متابعو هذه المواقع إلى الدردشات العقيمة أكثر من انشدادهم للقراءة الواعية الصبورة، ما نتج عنه تدنٍّ في مستوى اللغة العربية سواء في الإملاء أم النحو، والعلوم المختلفة سواء العلمية أم الأدبية الذي أدى بدوره لانحسار ملحوظ في مستوى الثقافة العام.

وبكل تأكيد، فالمعلومة السريعة التي يحصل عليها المتلقي بضغطة زر لن ترسخ في ذهنه، وذلك على عكس المعلومة التي يحصل عليها بالبحث بين صفحات الكتب والقراءة الهادئة المتعمقة، فالكِتاب باعتباره الوسيلة الأقدم لتبادل الأفكار بين الناس، يكاد يفقد أهميته وأصبح الاطلاع عليه مقتصراً على شريحة صغيرة من الناس مقارنة بمن يهتمون بمواقع التواصل الاجتماعي، إذا استثنينا بالطبع طلبة المدارس والجامعات باعتبارهم مجبرين على التعاطي مع الكتاب أكاديمياً. وأخشى ذوبان الثقافات المحلية وسط بحر الثقافات العالمي، وبالتالي غلبة الثقافة الغربية المستوردة! وتلاشي دور الكتاب الورقي في نقل الثقافات والمعلومات الذي سيؤدي إلى تحجيم دور الكتاب في المجال العلمي والثقافي ناهيك عن تفشي المعلومات المغلوطة في شتى المجالات بين جميع شرائح المجتمع.

سندوتشات سريعة تسبب التخمة

ومن جانبها ترى القاصةحضية عبده خافي أن ما نحتاج إليه هو فهم العصر الذي نعيشه ومجرياته لنتمكن أن نكون فيه كما نريد. وأن نواكب شيئاً مختلفاً ليس بالسلبي، السلبية حين لا نستطيع أن نقنع أنفسنا بأن هذا الاختلاف أو الثقافة الجديدة تحتاج منا أن نؤمن بها، ونثق بشيء جديد مختلف ليس خدعة أو فكرة سلبية، بل أرى أننا نخدع أنفسنا حين نظل كما نحن متوقعين دون أن نطور من أنفسنا وننطلق. وأن يصبح جيلنا ذكرى لجيل رفض الانصياغ فكان مافي زماننا يكتب لجيل قادم يفهمه، لسنا مضطرين لرفض ذلك، لأنه لاحقاً (مستقبلًا) سيطلق علينا جيل كتب لجيل يأتي بعده أكثر تفهماً.

إن لهذه المواقع تأثيراً انطباعياً وأيضاً سلوكياً، لكن حين يجد المثقف نفسه يطرح ما يملك كالسندويشات السريعة التي تكسب التخمة والتراكم الذي بعده سيعمل بالتأكيد على إعادة تكميم أفكاره واستعادة نفسه بنفسه، المثقف هو من يعرف في أي قالب يود أن يتشكل ويصب لذا أرى أن نوعية المنتج والمثقف لا تزال تحت سيطرة الكاتب ما لم يخرج بها عن المسار المنوط بها. لا يزال القرار فيها ملكاً لي ولك ولكل كاتب؛ لذا لنجيد اختيار ما نريده دوماً. وتضيف مستقبل الثقافة يتسع ويكبر مواكباً كل حداثة موقع التواصل الاجتماعي، لكن التمسك بزمامها هو ما يهمنا كمثقفين يهمنا ما تحويه لا كيف تنشر فقديماً سمعنا قصصاً وذكريات من حكايا الجدات وما زلنا نحفظها، إذاً ما يهمنا هو الموضوع وليس كيف بأي وسيلة نقل.

رباب النمر كاتبة مختصة بأدب الطفل ترى أن هذه المنصات سلاح ذو حدين ككل الأشياء، إن أحسنا استغلالها عادت علينا بالطيبات، وإن أسأنا استخدامها انقلبت إلى مضارّ. العنب قد نعصره فيكون شراباً نافعاً، وقد نتركه يتخمّر فيتحول إلى شيء خبيث يسكر، ويذهب بالعقل فيعاقب من يتناوله بالحد والجلد. كذلك وسائل التواصل هذه لها طاقة إيجابية عظيمة، فقد سهلت وسائل البحث، فمحرك البحث (جوجل) ينقلك بلمسة زر إلى آفاق واسعة، ويحيلك إلى مصادر غنية، ومكتبات وكتب كانت ستأخذ منك جهداً جهيداً، لكنما الفضاء الأسفيري جمع العالم بين يديك تتجول في حدائقة، وتقطف من ثماره ويكون بين يديك كله في لحظة. وكذلك يمكنك الحصول على آلاف الكتب وتحميلها إلكترونياً بصيغة ال (pdf)، والبعض منها يمكن الاستماع إليه عن طريق اليوتيوب، أو الملفات السمعية، وكذلك بات من السهل جداً إرسالها، وتداولها. وقد تحولت بعض الكتب والموسوعات والمعاجم إلى تطبيقات يمكن تحميلها من السوق الخاصة بالأجهزة الذكية. وكثير من الكتاب أضحت لهم صفحات على الفيسبوك أو الإنستجرام يمكن متابعتها والإفادة منها. وفي الوقت ذاته قد تكون هذه الوسائل مضيعة للوقت إن استخدمناها في الجري وراء التوافه، ولمجرد الهذر، فهي كفيلة بتمييع الثقافة، والقضاء على ظاهرة المطالعة والمعرفة.

ربما تغيرت الوسائل، والخامات، والأشكال لكن الساحة الثقافية لا تخلو من رجالها، وعلمائها، وأقطابها، وروادها. الفترة الزمنية التي مرت على ميلاد ثقافة السندوتشات السريعة لم تمض بعد وتتوغل في البعد بحيث يمكنها أن تتجاوز جيل الموسوعيين، وأن تفرز طبقة جديدة تؤثر على نوعية المنتج وجودته، ربما نحتاج إلى فترة زمنية أطول لينقرض الأدباء المتمكنون من فنهم. أما الآن فلا يزال الوضع الثقافي بأمان وبمعزل عن السطحية والتسطيح. الثقافة روح ووجود، وليس من السهولة أن تنمحي على مر الزمن، نعم قد تتبدل وسائلها وأشكالها، وميادينها، لكنها لن تضمحل، ولن تزول، ولن تتلاشى.

الإيجابيات أكثر من السلبيات

حمد حميد الرشيدي يقول: إن من الطبيعي جداً أن يكون للمد الأسفيري آثاره الإيجابية والسلبية على حد سواء! مع أن إيجابياته أكثر من سلبياته في كثير من الأحيان. خاصة على المستوى الثقافي والمعرفي والتكنولوجي، فإن هذا المد يعد من أهم قنوات التواصل الحديث بين الشعوب، وأحد روافدها المهمة الهادفة إلى «تجسير» العلاقات بين هذه الشعوب على اختلاف بلدانها وأعراقها وألوانها ودياناتها وعاداتها وتقاليدها.

وهذه القنوات بمثابة «شرايين» تربطنا بغيرنا من أمم وشعوب العالم الحديث، وإذا انقطعت هذه الشرايين الحيوية انقطعت علاقتنا بالعالم الْيَوْم من حولنا.

ويضيف مهما كان المنتج الثقافي ونوعه وكميته وكيفيته فهو مفيد ويعد ظاهرة ثقافية وعلمية أو معرفية صحية، ولا ينفي وجوده وفائدته غياب المثقف (الموسوعي)، والثقافة مكوّن أو كيان تراكمي مع مرور الزمن، يصعب على أي شخص استيعابه أو فهمه، أو التكهن بفائدته وأحياناً يصعب التكهن بأهميته مستقبلًا، وهناك بعض المعارف الإنسانية تم تجاهلها في زمانها الذي وجدت فيه أو لم تعط حقها من الأهمية ولم يتم إنصاف أصحابها الذين تبنوا أفكارها ومبادئها وأهميتها في حياة الناس، لكن حين امتد وجودها لعصور لاحقة ظهرت أهميتها بعد أن أدركها الناس وصارت جزءاً من حياتهم ولا يمكنهم الاستغناء عنها!

ومن هنا ظهرت قضية «التجنيس الثقافي» للمنتج الثقافي! هل هو منتج أصلي (نابع من ثقافة لها خصوصية معينة)؟ أم إنه منقول؟ أي تم إقحامه من موطنه الأصلي إلى موطن أو بيئة ثقافية جديدة؟ أم إنه متنوع؟ ومن هنا أيضاً ظهرت حديثاً مصطلحات تداولتها الأوساط الثقافية، مثل: (الثقافة الخبرية) أو (السندويتشات) التي لها علاقة وثيقة الصِّلة بالتعامل مع المعطى الثقافي وفهمه واستيعابه بشكل مباشر وتلقائي قد ينقصه النضج في معظم الأحيان وعدم الاكتمال! وإذا كانت الثقافة هنا في هذا السؤال بمعناها المطلق الذي يعني (المعرفة) والشمولية فإن مواقع التواصل الاجتماعي هنا من (فيسبوك وتويتر وإنستجرام وغيرها) تعد بلا شك وسيلة أو إطلالة شاسعة جداً على حياة الناس في الوقت الراهن، سواء من حيث الكمية الهائلة التي تنقلها هذه الوسائل من المعلومات أو من حيث السرعة الفائقة لنشرها. أما إذا كانت الثقافة بمعناها (المقيد) أو المحدد الذي يعني الوعي أو يعني توسيع مدارك الإنسان والرقي بعقله وتفكيره وسلوكه وأخلاقياته فأعتقد أن وسائل التواصل الاجتماعي ما زالت غير قادرة حتى الآن على تحقيق الرقي للمستوى الثقافي المطلوب بالمفهوم الحقيقي للثقافة كوعي أو إدراك عقلي راق خاصة في مجتمعنا العربي الحالي! والمشكلة هنا ليست في الوسيلة نفسها فحسب وإنما هذا يعود إلى أن (الثقافة) إذا كانت تعني الوعي والنضج العقلي والفكري ذات نخبوية محدودة، في كل زمان ومكان، بينما تظل (المعرفة) بمفهومها الأشمل أكثر انفتاحاً على الآخر.

--------

هيمنة مواقع التواصل الاجتماعي على الشبكة العنكبوتية حولت ثقافة الفرد في المجتمع إلى بضاعة مستهلكة

عند سؤالنا لغادة طنطاوي عن الإيجابيات التي أحدثتها وسائل التواصل الاجتماعي، مقارنة بسلبياتها، أجابتنا قائلة: أثبتت الدراسات مؤخراً أنه في السنوات العشر الأخيرة، قامت وسائل التواصل الاجتماعي ومواقعه بإحداث تغيرات جوهرية في حياة الجيل الصاعد، تغيرات لم يتسن بعد قياسها وتقدير منافعها أو مخاطرها على مستقبلهم.

من جهة لا ننكرها، كان لتلك المواقع بالغ الفضل في اتساع شبكات علاقاتنا الاجتماعية وساعدتنا على تخطي حواجز المكان والزمان، وأصبح لدينا أصدقاء في نيويورك وهونج كونج وجنوب إفريقيا وشمال أوروبا نستطيع مراسلتهم في أي وقت أردناه دون الانتباه لفروق التوقيت.

ومن جهة أخرى، في ظل هيمنة مواقع التواصل الاجتماعي على الشبكة العنكبوتية تحولت ثقافة الفرد في المجتمع إلى بضاعة مستهلكة معروضة على منصات أفكار شخصية لا علاقة لها بالمحور الأساسي لوعي الأفراد. وفي الغالب نجد هذه المنصات منصات إعدام لا إعلام، لأنها لا تنمي في الفرد حب الاطلاع إلا من باب الفضول، وتميل غالباً لآراء سطحية تعتمد بالدرجة الأولى على رأي صاحب الموقع الشخصي، وأغلب متصفحيها يبحثون عن الأحاديث الخاصة البعيدة كل البعد عن نشر منهجية القراءة وتثقيف الذات ونشر الوعي.

وكنتيجة لذلك، نجد أن أصحاب الأقلام الواعية ليس لهم مكان في هذه الدوامة، وما تيسر منهم تحول قلمه من تقديم محتوى جيد إلى تقديم محتوى سريع مرتجل وسطحي، إما لأنه انساق وراء الإيقاع السريع لمواقع التواصل الاجتماعي، أو لأنه بات يراعي طبيعة القراء في هذه المواقع، ممن يميلون إلى اقتطاف الأفكار السريعة.

ما يثير الدهشة هو العالم من حولنا، الذي بات منصاعاً بشكل يفوق العقل والمنطق لتصفح تلك المواقع، ولقضاء معظم وقته متنقلاً بينها لمتابعة قشور الأخبار. لاغياً أهمية الكتاب والقراءة، وبالتالي فإن ما نراه اليوم ماهو إلا ناتج طبيعي لما يحدث، وهو السبب الرئيسي في تحول المنهج الفكري ومفهوم الكتابة تحولاً سلبياً نشأ مع جيل التكنولوجيا في عصر السرعة، فأصبح لدينا جيل يستقي معلوماته من السناب، الفيسبوك، الإنستجرام واليوتيوب، ميالاً بطبعه للسطحية في كل الأمور، بعيداً عن مناقشة القضايا بواقعية وعمق، وحل المشاكل من جذورها. إذ إن مصادره المعتمدة ليست مبوبة ولا منضبطة تقتل روح الإبداع فيهم. وإن استمر الوضع كذلك سنواجه كارثة ثقافية تتسبب في تراجعٍ لافتٍ في مجالات الثقافة والفكر، وأنماط التكفير.

-------

مستقبل الثقافة والإعلام في الاعتماد المتزايد على مواقع التواصل في تذبذب بين الخوف والضياع

وبسؤالنا لعواطف بنت مرزوق الحازمي، عما أسهمت فيه هذه الوسائل في بناء الثقافة، أجابتنا قائلة: من وجهة نظري، أرى أن مواقع التواصل الاجتماعي أسهمت في نشر الوعي الثقافي والاجتماعي، وسهلت وصول المعلومة ونشر المقالات على قدر هذه الانتشار والزخم المعلوماتي الكبير، إلا أنه فقدنا الدقة والمصداقية وكثرت السرقات الأدبية. ومستقبل الثقافة والإعلام في الاعتماد المتزايد على مواقع التواصل في تذبذب بين الخوف من فقدان المقالة الطويلة والقصة وتفاصيل الرواية ونقدها وبين الضياع بين الغث والسمين.

-------

تأثير المد الإسفيري إيجابي بعد أن أصبحت الثقافة في متناول الجميع

وعند سؤالنا لليلى الأحمدي، عن مدى تأثير المد الأسفيري على الثقافة، وعلى نوعية المنتج الثقافي، وعلى المثقف ذاته، أجابتنا قائلة: في نظري أن تأثير المد الإسفيري هو تأثير إيجابي وبشكل كبير، فقد أصبحت الثقافة في متناول الجميع، وأصبح التعبير الأدبي متاحاً أيضاً للجميع، إذ ظهرت المواهب المخبوءة التي كان أصحابها يتحرجون من إظهارها، فخرجت لنا تحت أسماء مستعارة. لقد أصبح هناك منبر لأصوات ظلت مكبوتة، وفيما عدا ذلك حتى الأسماء الصريحة وجدت مساحة للتعبير.

وبالنسبة لنوعية المنتج الثقافي، لم تتأثر جودته، بل إن النقد الحر أسهم في تعديل الكثير من الأطروحات الأدبية والثقافية، وبات البحث عن المعلومة أمراً سهلاً، والتحقق من صحة الأخبار كذلك. وفي نظري أن المد الإسفيري هو ربيع الثقافة، وثراء المعلومات والوعي الفني والأدبي هو حصاد هذا الربيع.

وما أعتقد أنه نتيجة سلبية وحيدة هو سهولة السرقات الأدبية، فهناك البعض ممن يسرقون أفكار الآخرين ونتاجهم الأدبي؛ لسهولة الحصول عليه أو لكون أصحابه بأسماء مستعارة، أو لقدم المنشور. إن المستقبل الثقافي في نظري زاهر، فالساحة مفتوحة، والمنابر متاحة، والكتب معروضة بشكل جميل وفي متناول القارئ، والصحف الإلكترونية تملأ الوسط، وكلما كان العرض كثيرًا ومتنوعًا، أصبح الانتقاء ممكنًا، والاستفادة سانحة.

اضف رد

هناك خطاء من في الإرسال

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

9740808232208938724300,250ala5era */ ?>

الغلاف

تصفح النسخة الورقية من مجلة اليمامة